بين الردع والحذر.. حسابات أنقرة ودمشق بمواجهة إسرائيل

خاص - المدنالسبت 2026/04/25
أردوغان الشرع.jpg
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في ظل تصاعد السياسات الإسرائيلية في المنطقة، تتقاطع الحسابات السورية والتركية عند نقطة حساسة تجمع بين إدراك التهديد وتجنب الإنزلاق إلى مواجهة مباشرة، لا سيما في أعقاب المواجهة الأخيرة مع إيران وما أفرزته من تحولات استراتيجية.

وتعكس التصريحات التركية الأخيرة، لا سيما على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان، قلقاً متزايداً من توجهات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو نحو توسيع دائرة الخصوم، عبر السعي إلى تصوير تركيا كعدو جديد بعد إيران، وهو ما يضع أنقرة أمام تحديات مركبة تتعلق بموقعها الإقليمي ودورها في إعادة تشكيل التوازنات.

 

إسرائيل كعامل إرباك إقليمي

ويرى الباحث في العلاقات الدولية طه عودة أوغلو، في حديث لـ"المدن"، أن التصريحات التركية تعكس حالة قلق حقيقية من السياسات الإسرائيلية التي لم تعد تقتصر على جبهة واحدة، بل اتجهت نحو توسيع نطاق عملياتها لتشمل سوريا ولبنان وإيران. ويشير إلى أن هذا التوسع يهدف جزئيا إلى تخفيف الضغوط الداخلية على نتنياهو، في ظل أزماته السياسية والقضائية.

ويضيف عودة أوغلو أن أنقرة باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها عاملاً مخرباً يهدد التوازنات التي عملت تركيا على بنائها خلال السنوات الماضية، سواء في سوريا أو في ملفات إقليمية أخرى، وهو ما يفسر تصاعد نبرة التحذير التركية في الآونة الأخيرة.

 

تهديد مباشر للأمن القومي التركي

لا تقتصر المخاوف التركية على البعد السياسي، بل تمتد إلى اعتبارات أمنية مباشرة، إذ ترى أنقرة أن الضربات الإسرائيلية داخل سوريا وما يترافق معها من دعم محتمل لجهات محلية، قد يفضي إلى تقويض نفوذها في الشمال السوري ويهدد أمنها القومي، خصوصاً في ظل حساسية الملف الكردي.

وبحسب عودة أوغلو، فإن إسرائيل قد تسعى إلى خلط الأوراق ميدانياً عبر دعم أطراف مناوئة للنفوذ التركي، ما يجعلها طرفاً فاعلاً في إعادة تشكيل المشهد السوري بطريقة تتعارض مع المصالح التركية.

 

تطابق حذر بين دمشق وأنقرة

على الضفة الأخرى، يظهر نوع من التطابق بين الموقفين السوري والتركي تجاه إسرائيل رغم اختلاف الدوافع، إذ بينما تنطلق أنقرة من هواجس الأمن القومي، تركز دمشق على مسألة السيادة ورفض التوغلات الإسرائيلية داخل أراضيها، خصوصاً في الجنوب السوري (القنيطرة).

وبؤكد عودة أوغلو أن الطرفين يتفقان على رفض الضربات الإسرائيلية وإن اختلفت زاوية النظر، ما يخلق أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.

 

سوريا ضمن ترتيبات إقليمية أوسع

في السياق ذاته، يشير الباحث في القضايا الاستراتيجية ماجد عزام، في حديث لـ "المدن"، إلى وجود إطار عام لتفاهمات إقليمية تشارك فيه سوريا إلى جانب تركيا ودول أخرى، مثل السعودية وقطر وباكستان ومصر، يهدف إلى إعادة ترتيب المنطقة بعد الحرب الأخيرة.

ويؤكد عزام أن هذه الترتيبات تسعى إلى بناء منظومة إقليمية قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار، مع تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة مقارنة بالماضي، دون القطيعة معها. ويضيف أن إسرائيل لا تبدو جزءاً من هذه الترتيبات، نتيجة استمرارها في اتباع سياسات عسكرية، ورفضها الانصياع للقانون الدولي، ما يضعها في موقع تصادمي مع هذه الرؤية الإقليمية.

 

استراتيجية سوريا: بناء الداخل أولاً

على المستوى السوري، تبدو الأولوية واضحة: إعادة بناء الدولة بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، باعتبار ذلك هو الخطوة الأولى لمواجهة التحديات الخارجية، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية.

ويشدد عزام على أن دمشق لا تسعى إلى الانجرار وراء الفخ الإسرائيلي، بل تفضل العمل السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع الضغط الدولي، خصوصا من الولايات المتحدة وأوروبا، لدفع إسرائيل نحو اتفاق أمني محدث يستند إلى اتفاق عام 1974، دون التنازل عن الجولان.

 

غياب خيار المواجهة المباشرة حاليا

في ضوء اختلال موازين القوى، يستبعد عزام احتمال انخراط سوريا أو تركيا في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل في المدى المنظور، إذ أن دمشق تدرك أن أي صدام في الظروف الحالية سيكون مكلفاً، ما يدفعها إلى تبني نهج الصبر الاستراتيجي والتركيز على التعافي الداخلي.

كما أن أنقرة رغم تصاعد خطابها، وفق عزام، لا تبدو في وارد المواجهة المباشرة، بل تسعى إلى احتواء التهديد عبر أدوات سياسية وأمنية، مع الحفاظ على دورها في الترتيبات الإقليمية.

 

احتمالات التصعيد قائمة

مع ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو التصعيد على المدى الطويل، خصوصاً إذا استمرت إسرائيل في سياساتها التوسعية ومحاولاتها لخلق أعداء جدد في المنطقة، في حين يشير عزام إلى أن استمرار هذه السياسات بالتوازي مع إعادة بناء سوريا وتعزيز التعاون الإقليمي، قد يفضي في نهاية المطاف إلى صدام، وإن لم يكن وشيكاً.

من جانبه، يحذر طه عودة أوغلو من أن انشغال الولايات المتحدة والغرب بملفات أخرى مثل ملف إيران، قد يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتكثيف عملياتها في سوريا، وهو ما تتابعه أنقرة ودمشق بحذر شديد.

ووسط كل ذلك، تتقاطع الحسابات السورية والتركية عند نقطة دقيقة: رفض السياسات الإسرائيلية، مع الحرص على تجنب المواجهة المباشرة. وبينما تسعى أنقرة إلى حماية أمنها القومي والحفاظ على نفوذها، تركز دمشق على استعادة سيادتها وبناء دولتها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث