بعد الإبراهمية.. اتفاقيات إسحاقية

شفيق طاهرالسبت 2026/04/25
Image-1777144339
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تولد "الاتفاقيات الإسحاقية" بوصفها مجرد عنوان دعائي جديد، بل كجزء من محاولة إسرائيلية-أرجنتينية لصياغة إطار سياسي وأمني واقتصادي جديد في أميركا اللاتينية. ففي نيسان/أبريل الجاري، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، إطلاق الاتفاقيات رسمياً، وعرفاها بأنها إطار استراتيجي يجمع إسرائيل والأرجنتين وشركاء متقاربين في القيم داخل نصف الكرة الغربي. والأهم أن الإعلان الرسمي ربطها صراحة بأحفاد النبي إسحاق وبدول التقليد اليهودي-المسيحي، ما يكشف أن المبادرة تحمل من البداية بصمة أيديولوجية واضحة، لا مجرد غطاء دبلوماسي للتعاون التقليدي. 

 

إطار سياسي أكثر منه معاهدة مكتملة

هذا التفصيل أساسي لفهم طبيعة المشروع. فـ"الاتفاقيات الإسحاقية" ليست حزمة معاهدات تفصيلية أو ترتيبات قانونية مكتملة، بل مظلة سياسية يُراد لها أن تتحول إلى خطوات عملية. الإعلان الرسمي يتحدث عن الدفاع عن الحرية والديمقراطية، ومكافحة الإرهاب ومعاداة السامية والاتجار بالمخدرات، إضافة إلى توسيع التعاون في الابتكار والتكنولوجيا والتجارة والانفتاح الاقتصادي. بهذا المعنى، تبدو المبادرة أقرب إلى محاولة بناء كتلة اصطفاف داخل أميركا اللاتينية، لا إلى نسخة طبق الأصل من الاتفاقيات الإبراهيمية (أبراهام)، التي ارتبطت أساساً بتطبيع علاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية منذ 2020. 

 

ميلي… المهندس السياسي للمشروع

يصعب فصل هذه المبادرة عن خافيير ميلي نفسه. فالرئيس الأرجنتيني قاد منذ 2025 مشروعاً يهدف إلى تعزيز روابط إسرائيل مع أميركا اللاتينية. وذكرت تقارير صحافية هذا المسار باعتباره محاولة من ميلي لتحويل انحيازه العلني لإسرائيل إلى مشروع إقليمي منظم، في لحظة تواجه فيها تل أبيب انتقادات وضغوطاً متصاعدة في أجزاء واسعة من العالم، بما في ذلك أميركا اللاتينية. لذلك لا يمكن قراءة "الاتفاقيات الإسحاقية" باعتبارها مبادرة ثنائية معزولة، بل مشروع شخصي سياسي لميلي، يريد من خلاله أن يضع الأرجنتين في قلب محور جديد مؤيد لإسرائيل في أميركا الجنوبية.

المعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى دائرتين من الدول المرشحة. الأولى هي الدول الأقرب سياسياً وإجرائياً إلى الانضمام، وفي مقدمتها الأوروغواي وبنما وكوستاريكا، وهي البلدان التي ظهرت منذ المراحل الأولى للمبادرة بوصفها الحلقة الأولية المستهدفة. أما الدائرة الثانية فتضم دولا أكبر وأثقل وزناً مثل البرازيل وكولومبيا وتشيلي وربما السلفادور، لكن ورود هذه الأسماء جاء في سياق خطط توسع مستقبلية لا عضوية مؤكدة. وفي موازاة ذلك، تبدو باراغواي مرشحاً طبيعياً، ليس بسبب إعلان رسمي بانضمامها حتى الآن، بل لأن تموضعها السياسي يجعلها الأقرب موضوعياً إلى هذا المسار، خصوصاً بعد إعادة فتح سفارتها في القدس في كانون الأول/ديسمبر 2024، في خطوة عكست اصطفافاً واضحاً إلى جانب إسرائيل. كما نقلت تغطيات حديثة عن مصدر دبلوماسي إسرائيلي، توقعه انضمام الإكوادور وباراغواي لاحقاً، لكن هذا يبقى في حدود التوقع السياسي لا القرار المعلن. 

 

مكاسب الأطراف

بالنسبة إلى إسرائيل، الفائدة الأولى واضحة، توسيع شبكة الحلفاء داخل منطقة منقسمة حيالها، وتحويل العلاقات الثنائية المتفرقة إلى مظلة تنسيق سياسي وأمني يمكن استثمارها في المحافل الدولية. كما توفر الاتفاقيات منصة لمواجهة النفوذ الإيراني وشبكات الجريمة العابرة للحدود بحسب الرواية الرسمية الإسرائيلية. أما بالنسبة إلى الدول المنضمة، فالمكاسب المعروضة تتمثل في الوصول إلى التكنولوجيا الإسرائيلية، والاستثمارات، والتعاون الأمني، ومشاريع الابتكار، والانفتاح التجاري. لكن قيمة هذه الوعود ستقاس بقدرتها على التحول إلى برامج فعلية في مجالات مثل الأمن السيبراني والزراعة والمياه والطاقة.

المشكلة الأساسية لهذه الاتفاقيات، هي أن اميركا اللاتينية ليست أرضاً مفتوحة بالكامل أمام هذا المشروع. فبينما مضت دول في تعميق علاقاتها مع إسرائيل، اتخذت دول أخرى مواقف حادة ضدها، وبعضها خفف علاقاته أو قطعها أصلاً، وهو ما يجعل "الاتفاقيات الإسحاقية" رهينة الاستقطاب الداخلي والانتخابات وتبدل الحكومات. لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس ولادة تحالف لاتيني واسع، بل تشكل نواة محدودة تضم الحكومات الأكثر تقارباً مع خطاب ميلي وإسرائيل، ثم اختبار قدرتها على البقاء بعد أول دورة انتخابية أو أول أزمة إقليمية. من هنا، تبدو "الاتفاقيات الإسحاقية" حتى الآن رهاناً سياسياً هشاً، قد تنجح إذا تحولت إلى مصالح ملموسة ومؤسسات تعاون ثابتة، وقد تتعثر سريعاً إذا بقيت مجرد عنوان أيديولوجي مرتبط بشخص ميلي وباللحظة السياسية الحالية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث