هناك مجموعة من الاحداث تدل على وجود خلاف بين اصحاب القرار في إيران، تبدأ من ردّ الحرس الثوري الإيراني الحاد على إعلان وزير الخارجية عباس عراقجي فتح مضيق هرمز، ثم قيامه بإغلاق المضيق مجدداً بعد فرض الولايات المتحدة الحصار البحري على إيران، وأخيراً استقالة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من رئاسة الوفد الإيراني المفاوض، وهو الخبر الذي تم نفيه فوراً من قبل الإعلام الحكومي.
فعلى أحد الجانبين يوجد ما يمكن وصفهم بـ"الحمائم"، وعلى الجانب الآخر "الصقور". في معسكر الحمائم يقف محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، وهما ترأسا الوفد الإيراني في الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد. أما في المعسكر الآخر، فيقع القائد العام للحرس الثوري أحمد وحيدي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر.
تخصيب اليورانيوم
يبدو أن هناك إجماعاً بين الفريقين داخل إيران، على خفض مستوى التخصيب من 60% إلى 3.67%، وربما تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية محددة مع استمرار الخلاف على تلك المدة.
الخلاف حول شروط الاتفاق مع الولايات المتحدة – الذي وصفه النائب الأول للرئيس الإيراني الخميس الماضي بأنه "تعددية سياسية" وعلامة على "حيوية الديمقراطية في إيران" – ليس أمراً يمكن إنكاره. فقد انتقد قاليباف في مقابلة مع التلفزيون الحكومي، الرواية الرسمية الإيرانية للحرب التي استمرت 40 يوماً، وقال بنبرة ساخرة إنه حتى التلفزيون الرسمي للجمهورية الإسلامية يوحي بأننا دمرنا القوة العسكرية للعدو، وأنه ينبغي مواصلة الحرب حتى القضاء على ما تبقى منها.
وحاول قاليباف في تلك المقابلة، إقناع معارضي التفاوض بأن العدو هُزم استراتيجياً لأنه لم يحقق أهدافه، لكنه لم يُهزم عسكريا.
فراغ لاريجاني اضعف الحمائم
ويبدو أن استمرار الخلافات بين أصحاب القرار السياسيين في إيران جعل الفراغ الناتج عن اغتيال الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، محسوساً بوضوح. فقد كان الرجل يمثل الحمائم ويمتلك قدرة على تحقيق التوافق بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، ويُعتقد أن قتله من قبل إسرائيل كان يهدف إلى إغلاق طريق المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
أما محمد باقر ذو القدر، الذي عُيّن بديلاً للاريجاني، فلا يحظى بثقة التيار الإصلاحي والمعتدل، ويُعرف بتشدده. وهو متهم بأنه في عام 2007، عندما كان نائبا لقائد الحرس الثوري، أدخل قوات الحرس والباسيج في الانتخابات لصالح محمود أحمدي نجاد، مرشح المحافظين حينها، وساهم في ترجيح النتيجة لصالحه.
وبعد تلك الانتخابات خرج ذو القدر من الحرس الثوري وانتقل إلى وزارة الداخلية، ومنذ ذلك الحين يعمل في قطاعات غير عسكرية داخل الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك فإن فكرة تدمير إسرائيل كانت جذابة له خلال العقدين الماضيين إذ قام بترجمة كتاب "سقوط إسرائيل من الافساد إلى الزوال" لمهدي حمد الفتلاوي، من العربية إلى الفارسية، وهو كتاب يرى أن تدمير إسرائيل وعد إلهي ورسالة للمؤمنين.
لكن الآن، وبعد أن أصبح في أعلى منصب أمني في إيران وخاض تجربة حربين مع إسرائيل والولايات المتحدة، يدرك أنه يجب التركيز على بقاء إيران بدلاً من تدمير إسرائيل، لأن الدمار الواسع للبنية التحتية الصناعية والإنتاجية في إيران، وبطالة مليوني عامل، والركود والتضخم الناتجين عن ذلك، ربما يجعله مضطراً إلى التحلي بالواقعية ولو نسبياً.
وفي الجهة الأخرى، برز دور قاليباف ليسد فراغ لاريجاني. يعتقد قاليباف أنه بدلاً من الانسجام مع شعارات الشارع التي تُبقي حرب الدعاية مشتعلة، يجب التفكير في طريق لإنهاء الحرب. وهو يدرك التكاليف الاقتصادية الباهظة للحرب، وقد قال في مقابلته، إنه مستعد للتضحية بحياته وحتى بسمعته، لكن من الواضح أنه يفضّل الوصول إلى سلام مع العدو، حتى لو كلّفه ذلك سمعته ومكانته.
أسباب أزمة اتخاذ القرار
الآن تعيش إيران أزمة في اتخاذ القرار تشبه تلك التي سادت خلال الحرب العراقية-الإيرانية بعد عام 1982. ففي ذلك العام، وبعد أن تمكنت إيران من تحرير مدينة خرمشهر، دخلت في حلم احتلال البصرة والتقدم نحو بغداد ورفضت الوسطاء الذين كانوا يدعون إلى إنهاء الحرب.
ويبدو أن ظروفا مشابهة تتكرر الآن، إذ يعتقد المتشددون أن إيران، بعد أن لم تُهزم في حربها مع قوتين نوويتين هما الولايات المتحدة وإسرائيل، أصبحت قريبة من النصر النهائي، وأن تحقيق هذا النصر يتطلب العودة إلى الحرب. وقد اصطف هؤلاء الآن في مواجهة قاليباف، الذي يملك بدوره تاريخاً عسكرياً طويلاً، مما أدى إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار النهائي بشأن شروط الاتفاق مع الولايات المتحدة.
لكن عاملا مهماً آخر يؤثر في اتخاذ القرار النهائي الإيراني، هو صعوبة التواصل بين كبار المسؤولين. فخطر الاغتيال على يد عناصر متسللة أو نتيجة قصف العدو، لا يزال يهددهم كالشبح، ومعظمهم لم يخرج بعد من الملاجئ، بل لم تُنشر حتى الآن صورة أو تسجيل صوتي للمرشد الجديد.
كما أن شخصيات أخرى مدرجة على قائمة اغتيالات الموساد، تعيش الآن في الملاجئ بعيداً عن عائلاتها، ولا تتم اللقاءات معها إلا عند الضرورة وبصعوبة، أما لقاء كبار المسؤولين ببعضهم فهو أكثر صعوبة. ولذلك قرر الرئيس ترامب، مع أخذ هذا الوضع الخاص في الاعتبار، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير محدد، لمنح إيران فرصة التنسيق والوصول إلى قرار نهائي وموحّد.
عقدة الحصار البحري
يبدو ان أهمّ خلافٍ بين أصحاب القرار في إيران الآن، يتمحور حول الحصار البحري الأميركي. الجناح المتشدّد يعتقد أن الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة يتناقض مع روح وقف إطلاق النار، لأنه يستلزم استخدام القوة لمنع السفن من مواصلة طريقها من وإلى إيران.
وإذا تمكّن وزير الخارجية الإيرانية غداً من حلّ عقدة الحصار البحري خلال محادثاته مع ممثلي ترامب في إسلام آباد، فسيبقى الخلاف الوحيد بعد ذلك حول مدة تعليق التخصيب، وهي مدة تتراوح بين 5 و20 عاماً بين الطرفين وليس من الصعب الوصول إلى التوافق عليها، ولكن الخوف من أن يجدد المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في إسلام آباد، دوره المعتاد كرسول للحرب وليس السلام على غرار الحربين السابقتين اللتين سبقتهما محادثات ويتكوف عراقجي.




