إيران خارج الشبكة: الإنترنت خط تماس جديد في الحرب

شفيق طاهرالجمعة 2026/04/24
Image-1772093481
الخسائر الاقتصادية بين 30 و40 مليون دولار يومياً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعد انقطاع الإنترنت في إيران إجراء أمنياً طارئاً فرضته ظروف الحرب، بل تحول إلى علامة على اختلال أعمق يطال الاقتصاد والمجتمع وعلاقة الدولة بمواطنيها. ففي بلد صار فيه ملايين الإيرانيين يعتمدون على التطبيقات والمنصات الرقمية في النقل، وتوصيل الطعام، والتحويلات المالية، والتجارة الإلكترونية، والعمل الحر، لم تعد الشبكة ترفاً تقنياً أو نافذة للترفيه، بل جزءاً من البنية الأساسية للحياة اليومية. من هنا اكتسب بيان جمعية التجارة الإلكترونية في طهران، في 12 نيسان/ أبريل، دلالته السياسية والاقتصادية معاً، حين طالب بإعادة الإنترنت فوراً وبشكل كامل، واعتبر أن الاتصال المستقر شرط لعودة الازدهار الاقتصادي واستعادة الأمل في المجتمع. لم يكن ذلك مجرد احتجاج قطاعي، بل تعبيراً عن وعي متزايد داخل الأوساط الاقتصادية بأن العزلة الرقمية لم تعد أثراً جانبياً للحرب، بل غدت واحداً من وجوهها المباشرة.

 

اقتصاد ينزف بصمت

الضرر لا يقاس بسرعة الاتصال ولا بعدد المواقع المحجوبة فقط، بل بحجم الخسائر التي تتراكم يومياً في صمت. فالأرقام التي قدمها ممثلو القطاع الخاص الإيراني تشير إلى أن الخسائر المباشرة للاقتصاد الرقمي تتراوح بين 30 و40 مليون دولار يومياً، بينما قد تقفز الكلفة الإجمالية، مع الأضرار غير المباشرة، إلى حدود 80 مليون دولار في اليوم الواحد. هذه الأرقام لا تعني مجرد تقلص أرباح الشركات، بل تهدد أيضاً بنسف شبكة واسعة من الأعمال الصغيرة التي نمت خلال السنوات الأخيرة في ظل العقوبات والركود، ووجد فيها مئات آلاف الإيرانيين منفذاً للبقاء. لذلك لم يكن التحذير من تعرض ما بين 300 ألف و500 ألف عامل في الشركات الصغيرة المعتمدة على الإنترنت لخطر الإفلاس مبالغة، بل توصيفاً دقيقاً لانهيار بطيء يضرب سوق العمل الايراني. فالحرب بحسب ممثلو القطاع الخاص الإيراني تدمر الجسور ومحطات الطاقة في العلن، أما قطع الإنترنت فيدمّر جسوراً أخرى غير مرئية، جسور البيع، والعمل، والدفع، والتوزيع، والتواصل.

 

أداة ضبط

الأخطر أن ما يجري من حظر على الانترنت لا يبدو تدبيراً مؤقتاً بقدر ما يكشف توجهاً أوسع لإدارة الداخل عبر العزل الرقمي. فمع تصاعد الحرب، أعادت السلطات توسيع العمل بما يعرف بـِ "الإنترنت الوطني"؛ أي الإبقاء على بعض الخدمات المحلية قيد التشغيل، مع تقليص الاتصال بالشبكة العالمية إلى الحد الأدنى وتشديد الخناق على أدوات تجاوز الحجب مثل خدمات الـ VPNوفي أحدث المؤشرات، تجاوزت ساعات الانقطاع أو التقييد الحاد ألف ساعة، فيما أظهرت بيانات تقنية هبوطاً شبه كامل في حركة الإنترنت الإيرانية خلال موجات الإغلاق الكبرى. بهذا المعنى، لا يكون الإنترنت الوطني بديلاً سيادياً محايداً، بل وسيلة لإبقاء المجتمع داخل فضاء محلي مراقب ومحدود، بينما تغلق عنه النوافذ التي تربطه بالعالم. هنا يتبدل معنى الإنترنت نفسه، من قناة للتبادل والانفتاح إلى أداة فرز وتحكم، ومن بنية للتواصل إلى بنية للضبط. 

 

إنترنت للخواص وعزلة للباقين

ما فاقم النقمة داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية لم يكن الانقطاع وحده، بل الاتهامات المتزايدة بوجود وصول انتقائي لبعض الفئات إلى ما يسمى الإنترنت الأبيض أو المهني، في مقابل إبقاء الغالبية داخل العزلة.

في المحصلة، لم تعد الإنترنت في إيران والعالم مجرد خدمة يمكن الاستغناء عنها مؤقتاً، بل صارت جزءاً من دورة الحياة والعمل والخدمات. ومع اتساع الاعتماد عليها في تفاصيل المعيشة اليومية، يصبح أي انقطاع طويل كلفة إضافية تدفع من السوق والمجتمع معاً. لذلكَ، فإن عودة الاتصال المستقر لا تعني فقط استئناف الخدمة، بل استعادة قدر من التوازن لحياة أنهكتها الأزمات.

أزمة الإنترنت في إيران ليست أزمة اتصال فقط، بل أزمة حياة يومية. فكل ساعة انقطاع تعني عملاً مؤجلاً، وخدمة متعثرة، وعبئاً إضافياً على الإيرانيين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث