صراع بلا حرب.. تفاوض بلا تسوية

ملاك عبد اللهالخميس 2026/04/23
Image-1776959470
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في كتابه "النفوذ" الصادر عام 2022، يقول المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي حول موضوع المفاوضات مع أميركا: "إننا لا نعارض التفاوض، فلدينا حالياً مفاوضاتنا مع العالم كله. لكن تفاوض أميركا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية يعني النفوذ والتغلغل. هذا هو تعريفهم للمفاوضات. وهم يريدون فتح الطريق أمام فرض الأمور والإكراه". ثم يضيف لاحقاً، "خطابي لكم أنتم شباب الثورة الذين تعملون وتساهمون في واحدة من قضايا البلاد المهمة، أي أمن البحار، هو أن تدركوا وتعلموا أهمية ما تقومون به اليوم".

تطرح التطورات الجارية في المنطقة سؤالاً مركزياً يتجاوز تفاصيل التعقيد الراهن المصاحب للمفاوضات: هل أعادت الحرب الجارية بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، تعريف وظيفة التفاوض وتغيير الإطار الذي وضعه الخامنئي له، والذي بالمناسبة ظل ملازماً للمفاوضات التي سبقت الحرب الإسرائيلية على إيران في حزيران/يونيو 2025، بل أكدته الوقائع حينها، أم أن واشنطن رغم عدم تمكنها من تحقيق الأهداف المعلنة للحرب ما تزال تدير التفاوض بمنطق الهيمنة والضغط المتواصل لمنع الحرب لكن دون الوصول إلى تسوية نهائية تكسب منها ايران، بل ربما للاستثمار في مزيد من الشقاق الداخلي بعد استتباب هذا الواقع؟

 

فبينما توحي المعطيات إلى أن الولايات المتحدة تواصل سياسة "لا سلام لا حرب" في إطار المفاوضات الحاصلة، مع إدراكها حاجة الطرفين إلى عدم العودة إلى حالة الحرب، بدأت تتصاعد داخل إيران أصوات تعتبر أن هذا المسار لم يعد تفاوضاً جدياً كما افترض الطرف الإيراني، على اعتبار أن حالة الردع التي خلقتها الحرب قد تغير من العقلية الأميركية في التفاوض، بل لا يزال هذا الأخير امتداداً لإدارة الصراع بالوسائل التقليدية السابقة. وقد برز موقف لافت لرئيس بلدية طهران علي رضا زاكاني الذي شدد على أن طاولة التفاوض يجب أن تبقى امتداداً لساحة المعركة، وأن القرارات الاستراتيجية لا يمكن فصلها عن ميزان القوة على الأرض، في إشارة إلى أن أي تفاوض لا ينبغي أن ينتج تنازلات تفوق ما لم يتحقق عسكرياً.

هذا الخطاب يعكس في حقيقته أكثر من رأي فردي، إذ يشير إلى تنامي تيار داخل المؤسسة السياسية الإيرانية يرى أن التفاوض يجب أن يبقى عالي السقف، محصناً بلاءات كبرى لا يمكن التنازل عنها، خصوصاً بعد أن تبدى للمراقبين أن الطرف الأميركي يريد بالمفاوضات أن تكون أداة استنزاف تسمح بطريقة أو بأخرى بإعادة تشكيل الاصطفافات السياسية وإثارة التباينات داخل النخبة. وفي واقعة لافتة في هذا السياق، جرى تداول واسع لتغريدة منسوبة إلى حساب ادّعى أنه يتبع لأنصار السياسي الإيراني سعيد جليلي، حملت لهجة حادة تجاه آلية اتخاذ القرار داخل الدولة، وألمحت إلى وجود خلل أو انقسام في بنية السلطة، قبل أن يتم لاحقاً تكذيبها والإشارة إلى احتمال كونها حساباً مفبركاً أو مخترقاً. كما تعزز هذا المشهد بعد واقعة أخرى أكثر دلالة ربما حين كتب كامبيز مهدي‌ زاده، صهر الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، تغريدة أعلن فيها دعمه لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، واصفاً إياه بأنه "رسول أمين للنظام والقيادة" ، ومشدداً على ضرورة الالتفاف حوله في مواجهة من "يسعون إلى إفشال المفاوضات". 

 

لكنها تفاعلات ليس بالضرورة أنها تشير إلى انقسام بنيوي حاد كما يحاول البعض إبرازه، بقدر ما قد تعكس نوعاً من الحراك الداخلي في إدارة النقاش حول التفاوض وحدوده، وصراعاً على تفسير اتجاه الدولة في مرحلة شديدة الحساسية. وقد برز مؤخراً من خلال آخر وصايا الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، منظور يتبناه كثر داخل التجربة السياسية الإيرانية يقدّم أيضاً قراءة لافتة لمفهوم التفاوض والسلام، بعيداً عن ثنائية الصراع والانقسام. قال خاتمي في هذا الإطار: "إن السلام الدائم هو الوجه الآخر للدفاع الشامل، بل إن تحقيقه أكثر تعقيداً وصعوبة من الحرب العسكرية. فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، بل يتطلب حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة. كما أن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويات الداخلية والخارجية، يُعدّ نوعاً من الدفاع الفعّال. وقد بدأت مؤسسات الدولة والحكومة بالفعل خطوات إيجابية في هذا المسار، ويجب على الجميع دعم نجاح هذه الجهود". هو طرح يدعم التفاوض رغم تعقيده ويرى أنه شكل متقدم من إدارة القوة، وأن الاستقرار لا يتحقق فقط عبر الردع، بل عبر هندسة سياسية واقتصادية معقدة للسلام نفسه. وبالتالي يمكن قراءة كل هذه التفاعلات الأخيرة باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لمفهوم التفاوض داخل الدولة.

 

يجري ذلك ضمن مشهد إقليمي ملتبس، حيث تدير الولايات المتحدة الوقت كأداة ضغط، وتدير إيران الردع والنفوذ ضمن خطوط حمراء واضحة، فيما تعيد إسرائيل تشكيل الجغرافيا اللبنانية تحت سقف هذه المعادلة: لا سلام… ولا حرب. بل وكأن المنطقة برمتها تتحرك ضمن معادلة لا تقوم على حرب شاملة ولا على سلام مستقر، وإنما على إدارة مستمرة للتوتر، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع أدوات الاقتصاد والسياسة. وقد ظهر هذا المنطق بوضوح في العراق مثلاً، حيث يتقاطع الضغط الأميركي المالي والأمني مع إعادة ضبط السلوك الإقليمي لإيران. فالحديث عن وقف تدفق الدولار أو تقليص التنسيق الأمني لا يمكن قراءته إلا كجزء من أدوات ضغط تدريجي تهدف إلى تغيير موازين السلوك دون تفجير مواجهة مباشرة. وفي هذا السياق الموازي نفسه، اكتسبت تحركات قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى العراق دلالة تتجاوز بعدها الميداني، إذ عكست محاولة لضبط الساحات المحيطة استباقاً لمرحلة ضغط ممتدة. وهكذا تعمل إيران وفق قاعدة أن العراق ساحة ضغط، فيما لبنان ساحة رسائل ومساندة، أما هرمز فيبقى ورقة تهديد، فيما لا تزال ورقة باب المندب مغيبة كلياً.

 

لكن رغم ذلك، يجري حديث في الكواليس عن ضربة خاطفة قد تقوم بها الولايات المتحدة ضد إيران، شبيهة بتلك التي رافقت الحرب الإسرائيلية عليها في حزيران/يونيو الفائت، بحيث لا تمتد أكثر من ساعات. وإن أعقبها رد إيراني، فإن العودة إلى طاولة المفاوضات حينها ستكون مرتبطة بمعطيات جديدة على الأرض يعتقد الطرف الأميركي أنها ستكون من صالحه.

ولا تبدو هذه الفرضية معزولة عن مؤشرات ميدانية متراكمة، إذ إن استمرار تدفق السلاح الأميركي إلى إسرائيل يوحي بأن التحضير العسكري لا يزال قائماً، رغم الخطاب السياسي الذي يتحدث عن التهدئة. كما أن تفعيل منظومات الدفاع الجوي في طهران، وما رافقه من انفجارات جوية متكررة، يُقرأ في بعض التقديرات كمؤشر على اختبارات أو تمهيد لسيناريو تصعيدي محتمل. وفي المقابل، يعكس الخطاب الإيراني التصعيدي درجة من الجهوزية لا تقتصر على الردع النظري، بل تشير إلى استعداد فعلي لاحتمال عودة المواجهة الظرفية، ما يعزز فرضية أن المنطقة لا تزال تتحرك حتى الآن على حافة تصعيد مضبوط، لا على طريق تسوية مستقرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث