ظهرت في الأيام الأخيرة آمال باحتمال انكسار جمود الحالة السورية، مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن محادثات مع الحكومة السورية، تعكس اهتمام أوروبا الدائم بسوريا. وكان الأوروبيون من أوائل المبادرين لزيارة سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتولي أحمد الشرع، منصب القائد العام للإدارة السورية الجديدة، من خلال زيارة وزيري خارجية فرنسا وألمانيا، في 3 كانون الثاني/يناير 2025. يومها كانت الزيارة لافتة، كونها جمعت وزيري خارجية البلدين معاً، وأيضاً لأنها جاءت بتفويض من الاتحاد الأوروبي. لكن ما كان لافتاً أكثر، هو تركيز الوزيرين على وقوف بلديهما "إلى جانب السوريين بكل أطيافهم". وهو كلام لا يقال جذافاً، بل جرى اختياره بدقة، من أجل دفع السلطة نحو إشراك جميع فئات الشعب في الحكم، ما يساهم في قبولها لدى الأوروبيين، المتخوفين من أي إقصاء أو انتقام قد يؤدي إلى قلاقل أو حرب أهلية، تُغيِّب سوريا عن العالم لسنوات أخرى، وتقلق أوروبا.
ومن المفيد أن نتذكر ما بدر من الأوروبيين يومها، لمعرفة عودة اهتمامهم هذه الأيام، ففي بيان أصدرته وزيرة الخارجية الألمانية لدى وصولها إلى دمشق، قالت عن الزيارة: "إنها إشارة واضحة على أن بداية سياسية جديدة بين أوروبا وسوريا، وبين ألمانيا وسوريا، أمر ممكن". أما وزير الخارجية الفرنسية فقال إنه بسقوط النظام بزغَ أملٌ جديد من أجل سوريا ذات سيادة، مستقرة وهادئة، لكنه أضاف متوجساً، أنه "أمل حقيقي، لكنه هش". وبهذا يُحمِّل الوزيران، ومن خلفهما الاتحاد الأوروبي، السلطة السورية مسؤولية تكريس البداية الجديدة والأمل الجديد، من أجل علاقات جيدة ومثمرة بين الطرفين. غير أن تركة الأسد الثقيلة، وحجم المهمات على عاتق هذه السلطة، وبطء حل الفصائل ودمجها بالجيش، وبطء عملية الانتقال السياسي التي كان مناطاً بالسلطة الشروع فيها للتحول نحو إعادة البناء، علاوة على المجازر بحق الأقليات، واستمرار غياب الاستقرار مع الفلتان الأمني نتيجة تفلت السلاح، إضافة إلى الاقصاء السياسي والإداري، قلّل من الاندفاعة الأوروبية.
أما هذه الأيام فتلوح في الأفق آمال وفرصة جديدة أمام سوريا، مع نية الاتحاد الأوروبي إعادة التباحث مع الحكومة السورية، من أجل تقوية العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع دول الاتحاد، وصولاً إلى الاتفاق على تنفيذ خطط من أجل تعزيز الشراكة الاقتصادية. ولهذا الغرض أعلنت المفوضية الأوروبية قبل أيام، عن مقترح لاستئناف العمل باتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا التي عُلِّقت سنة 2011، مع اندلاع الثورة في البلاد، وإعلان بشار الأسد حربه على الشعب. وإذ يعد هذا المقترح خطوة متقدمة باتجاه الانفتاح على سوريا، فإن اعتماده قبل انعقاد الحوار السياسي بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، في 11 أيار/مايو المقبل، سيرسِّخ هذه الخطوة، وسيضع خطط العمل من أجل إتمامها، فهل سوريا جاهزة لهذا المستجد الإيجابي؟
في مقابل الحماس والخطوات الأوروبية، من أجل تحسين العلاقات ونقلها إلى عتبة جديدة، تساعد سوريا على التعافي، كانت الخطوات السورية ناقصة في هذا المسار، بل وفي حالات كثيرة كانت كفيلة بضربه وإعادة سوريا إلى الحصار والعقوبات، وربما قطع ما تبقى من علاقات لم تقطع بعد سنة 2011. ويندرج في هذا الأمر، الانتهاكات والمجازر بحق الأقليات التي كان الأوروبيون حريصين في وجوب الوصول إلى ضمانات من أجل حمايتهم. كما يندرج في هذا الأمر، التأخر في تشكيل مجلس الشعب، وكذلك إقرار دستور جديد. كذلك استمرار المشكلات ذاتها من غياب الاستقرار الأمني، وعدم المضي في التسوية السياسية، وإقرار قوانين دائمة تعزز بيئة الاستثمار، وتجذب المستثمرين العرب والأجانب، علاوة على انتهاج نهج اقتصادي واضح يطمن أصحاب رؤوس الأموال على مستقبل استثماراتهم. إضافة إلى مكافحة الفساد وإجراء إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية، وتحسين مستوى العيشة، وإقرار تشريعات عصرية وضمان الحريات والحقوق، لكي تتماشى من المعايير الأوروبية، واللازمة جميعها من أجل تسريع إقرار الشراكة.
جاءت الوقائع التي استجدت بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، وضرب بعض مصادر الطاقة في دول الخليج العربي وإيران، ففرضت على أوروبا البحث عن طرق أخرى إضافية لطرق نقل النفط المعتادة. كما فرضت عليها البحث عن مصادر أخرى لهذا الخام الضروري لحياتها، تعزز احتياطاتها، وتسد الفجوة فيما إذا تأخرت الامدادات من دول الخليج وغيرها. كما أن هذه الحرب عززت القلق الأوروبي الدائم، من أن تتسبب الاضطرابات في محيطها، بتفجر الأوضاع في الدول العربية، ومنها سوريا، بسبب تداعياتها على المنطقة برمتها. وهو تفجر يزيد مخاوف أوروبا من أن يؤدي إلى حدوث موجاتِ هجرةٍ تُغرق القارة الأوروبية، وتزداد معه مخاطر نمو شبكات الإرهاب عابرة الحدود، مع ما يشكله ذلك من خطر في تهريب الأسلحة والمخدرات.
لذلك، يُعَدّ استقرار سوريا، أحد أهم الأولويات بالنسبة إلى أوروبا، بسبب الأدوار التي تتوقعها دولها من العلاقة معها، إضافة إلى ضرورته للسلطة السورية، والتي من المتوقع منها الإسراع بتحقيقه للحفاظ على المسار التي تريد أوروبا إيجاده مع هذه السلطة، وإنجاح المفاوضات والوصول إلى نتائج مرضية للطرفين. فالتوصل إلى شراكة مع الاتحاد الأوروبي، كفيل بأن يكون عاملاً على درجة كبيرة من التحفيز للسلطة السورية، من أجل المضي بالإصلاحات التي تتطلبها هذه الشراكة، ويتطلبها الواقع السوري. وهي فرصة لهذه السلطة، لكي تقطع مع الخطوات الناقصة التي اتصفت بالنأي، خلال ما يقارب سنة ونصف من عمرها، في وقت كانت أوروبا تدنو فيه بقوة وهي تتطلع إلى السوق السورية، الواعدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاتصالات والخدمات وغيرها.




