انحسار نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد

شفيق طاهرالخميس 2026/04/23
Image-1776889934
الحزب لديمقراطي الكردستاني اكتشف أن ثقله الانتخابي لم يعد كافياً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن خسارة الحزب الديمقراطي الكردستاني في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية العراقية مجرد انتكاسة عابرة، بل كانت لحظة سياسية فاضحة لانحسار نفوذه في العاصمة بغداد. فالحزب الذي اعتاد التعامل مع نفسه بوصفه الرقم الكردي الأصعب، اكتشف أن ثقله الانتخابي لم يعد كافياً لفرض إرادته السياسية داخل العاصمة العراقية.

 

جلسة الرئاسة كشفت حجم العزلة

مثلت جلسة انتخاب رئيس الجمهورية العراقية في 11 نيسان/ أبريل 2026 لحظة كاشفة لموقع الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل بغداد. فانتخاب نزار أميدي، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني رئيسا للعراق، لم يكن مجرد خسارة لمنصب رئاسي، بل أظهر بوضوح أن الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يعد قادراً على فرض إيقاعه على القوى البرلمانية كما في السابق. فبالرغم من مقاطعته الجلسة، انعقد البرلمان بحضور مريح تجاوز النصاب المطلوب، وهذا ما دل على أن رهانه على التعطيل لم يعد فعالاً، وأن عدداً واسعاً من القوى الشيعية والسنية والكردية اختار المضي من دونه. فالعزلة السياسية للحزب لم تعد مجرد انطباع، بل باتت قابلة للقياس من خلال من حضر ومن قاطع.

 

أزمة تحالفات لا أزمة أصوات

المشكلة الأساسية التي كشفتها الجلسة ليست تراجع الحجم الانتخابي للحزب بقدر ما هي عجزه عن تحويل هذا الحجم إلى نفوذ عراقي فعلي. فالحزب الديمقراطي الكردستاني، وإن كان لايزال يمتلك ثقلاً شعبياً وانتخابياً مهماً داخل إقليم كردستان، لكنه في بغداد يواجه معضلة مختلفة، السياسة هناك لا تحسم بعدد المقاعد فقط، بل بقدرة الأطراف على بناء ائتلافات مرنة ومستمرة. وهنا تحديداً برز تفوق الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي استطاع أن ينسج تفاهمات أوسع مع قوى فاعلة في المركز، بينما بدا الحزب الديمقراطي الكردستاني أكثر ميلاً إلى التعويل على ثقله الذاتي أو على تفاهمات لم تعد قائمة بالزخم نفسه. بهذا المعنى، فإن ما تقلص ليس حجم الحزب في الشارع الكردي، بل قدرته على تحويل هذا الحجم إلى قرار سياسي داخل العاصمة بغداد. 

 

تبدل موازين القوة في بغداد

أحد الأسباب المباشرة لهذا التراجع أن الحزب الديمقراطي الكردستاني تصرف في الاستحقاق الرئاسي بعقلية مستمدة من توازنات سابقة، ولا سيما تجربة 2022، حين كان تعطيل النصاب أداة فعالة في الصراع على السلطة. لكن بغداد تغيرت منذ ذلك الوقت. فمركز الثقل داخل البيت الشيعي لم يعد يدور حصرا حول الشخصيات التقليدية التي راهن الحزب على التنسيق معها، بل انتقل إلى قوى أكثر قدرة على إدارة التحالفات وحشد الأصوات. وفي المقابل، تمكن الاتحاد الوطني الكردستاني من التموضع داخل هذا التوازن الجديد بصورة أفضل، مستفيدا من شبكة علاقات أكثر حيوية مع أطراف شيعية وسنية مؤثرة. لذلك بدت مقاطعة الحزب الديمقراطي الكردستاني وكأنها استخدام لأداة قديمة في لحظة سياسية جديدة، وهو ما جعلها تنقلب عليه بدل أن تمنحه ورقة ضغط.

تكشف هذه التطورات أن الحزب الديمقراطي الكردستاني ما يزال قويا في المجالات التي يمارس فيها سيطرة مباشرة، ولا سيما في أربيل ودهوك، لكنه يضعف كلما انتقل إلى ساحة تتطلب تفاوضا وتسويات معقدة، كما هي الحال في بغداد. فالمشكلة لم تعد حادثة معزولة مرتبطة بانتخاب رئيس الجمهورية، بل تعبيرا عن خلل أعمق في أسلوب العمل السياسي للحزب، سواء في علاقته مع الاطياف السياسية في بغداد أو حتى في قدرته على إدارة تفاهمات مستقرة داخل الإقليم نفسه. 

 

خسارة الرئاسة ليست تفصيلاً

في المحصلة، لم تعد المسألة مجرد تنافس تقليدي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على منصب اتحادي. ما جرى في بغداد أظهر أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يمر بمرحلة انحسار فعلي في قدرته على التأثير داخل الدولة العراقية. فهو لا يزال رقماً صعباً في الإقليم، لكنه لم يعد اللاعب الكردي القادر وحده على تعطيل أو توجيه المسارات الاتحادية. وهذا ما يجعل جلسة 11 نيسان/ أبريل 2026 علامة فارقة، لقد كشفت أن النفوذ الذي يحتفظ به الحزب في مناطقه لا ينعكس بالضرورة نفوذا موازياً في بغداد، حيث تحسم القوة بالتحالفات لا بالرمزية، وبالمرونة لا بالمقاطعة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث