الحرب على إيران: بين ضعف دول الجنوب وهيمنة الشمال

علي دربجالخميس 2026/04/23
Image-1776958920
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس من قبيل المبالغة القول إن دول ما يُعرَف بالجنوب العالمي كانت في مقدّمة المتضرّرين الرئيسيين من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، إذ تراجعت أولويات التنمية في البلدان النامية أو الفقيرة، وحلّت مكانها اعتبارات الصراع والمنافسة الاقتصادية، ما أضعف موقعها في المعادلة الدولية بعدما كشف الصراع القائم في الشرق الأوسط، هشاشتها التنموية واختلال امنها في مجال الطاقة مقارنة بدول الشمال.

ومع تصاعد الحروب والأزمات والفوضى -هذا الثالوث الذي يُعَدّ سِمَةً أساسيةً للنظام الدولي الحالي- تجد بلدان الجنوب العالمي نفسها مضطرّةً إلى إعادة ترتيب تحالفاتها والبحث عن شركاء جدد، بهدف تأمين موارد أساسية تضمن بقاءها واستقرارها، مثل الطاقة والغذاء. لذا، لم يعد التعاون خياراً استراتيجياً طويل الأمد لهذه الدول، بقدر ما أصبح ضرورةً مُلحّةً للصمود.

 

دول الجنوب وهشاشة قطاع الطاقة

عمليّاً، ما بدأ كنزاع إقليمي سرعان ما تحوّل إلى فوضى، كان من أخطر نتائجها إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية. زد على ذلك أن خطوة إيران هذه وضعت العالم بشكل واضح على حافة أزمات اقتصادية وتنموية.

فالطلب الدولي على البنزين (16%)، والديزل (10.3%)، والكيروسين (19.4%)، والنفط الخام (30.7%)، والذي يتم تلبيته عبر هذا الممر ـــــ يقف حالياً في حالة شلل.

أكثر من ذلك، كشف تقرير سوق النفط الصادر عن "International Energy Agency" في أوائل آذار/مارس، أن أسعار النفط الخام القياسية ارتفعت منذ اندلاع الأزمة من نحو 20 دولاراً للبرميل إلى قرابة 92 دولاراً. ومنذ ذلك الحين، واصلت الأسعار منحاها التصاعدي خلال شهر نيسان/أبريل، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل في ذروة التوترات، قبل أن تعود للتذبذب ضمن نطاق يتراوح بين 90 و103 دولارات تبعاً لتطورات الأسواق والاضطرابات الجيوسياسية. ومع تحمّل كبار مستوردي النفط في أفريقيا وآسيا العبء الأكبر، فإن أي تأخير مطوّل في الوصول إلى الوقود والأسمدة سيُحدث تأثيراً متسلسلاً من الاضطرابات في قطاعي الطاقة والزراعة، لا سيما في أفقر بلدان الجنوب.

وفي السياق ذاته، تواجه الاقتصادات الآسيوية -بما في ذلك الهند وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا والفلبين وإندونيسيا- ضعفاً في قطاع الطاقة ومشكلات اقتصادية متعددة. وليس بعيداً عن ذلك، قامت الهند بتقييد إمدادات غاز البترول المسال للاستخدامات التجارية، مع إعطاء الأولوية للاحتياجات المحلية والسكنية وقطاع النقل.

وفي باكستان، التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة، ارتفعت أسعار الوقود بشكل قياسي، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية طارئة، مثل تقليص أيام العمل، وإغلاق المدارس، وخفض رواتب المسؤولين. كذلك أُجبرت البلاد على طلب دعم من السعودية. وفي حين فرضت الحكومة البنغلادشية قيوداً على الوقود وأغلقت بعض المرافق، شهدت سريلانكا والنيبال بالمقابل إجراءات مماثلة، وسط صعود صاروخي لأسعار المواد الغذائية.

 

تضرر قطاع الزراعة وارتفاع اسعار الغذاء

في الواقع، أثّر الاضطراب الذي أصاب سلاسل الإمداد في هرمز على تكاليف الزراعة وإنتاجية المزارعين، وبالتالي انعكس سلباً على أسعار الغذاء في الاقتصادات النامية. وبعبارة أخرى، فإن مكاسب التنمية في دول الجنوب العالمي أصبحت مهدّدة.

فإلى جانب صادرات الغاز الطبيعي والمنتجات النفطية، يُعَدّ المضيق ممراً رئيسياً للتجارة البحرية للأسمدة، مثل الأمونيا والنيتروجين، التي تُصدِّرها دول الخليج، خصوصاً إلى دول الجنوب العالمي كالبرازيل وسريلانكا والسودان وباكستان وتنزانيا والصومال وموزمبيق، وجميعها تعتمد بشكلٍ كبير على استيراد الأسمدة من الخليج، كون هذا النوع من الأسمدة يُعَدّ الأفضل في السوق، لاحتوائه على مكوّنات أساسية غير متوافرة بسهولة في أي مكان آخر. وتبعاً لذلك، ستواجه هذه البلدان خطر ارتفاع حاد في تكاليف الزراعة، وارتفاعاً قياسياً في أسعار الغذاء.

ليس هذا فحسب، فاقمت الحرب فجوة التنمية في الاقتصادات النامية، بسبب التحوّلات الجيوستراتيجية وعدم الاستقرار السياسي. ومع تزايد تبعات الحرب تدريجياً من حيث المدة والحجم، تواجه هذه الاقتصادات أنواعاً جديدة من صدمات الأسعار، وخسائر كبيرة في الإيرادات، وارتفاعاً في أعباء خدمة الديون، وتضخماً متصاعداً.

من هنا، واستناداً إلى وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، خسرت مصر، بصفتها مستورداً صافياً للنفط، نحو 6 مليارات دولار من الاستثمارات منذ بداية الأزمة.

 

أسباب انكشاف دول الجنوب 

في الوقت الذي أدانت فيه أغلبية دول الجنوب العالمي -كالصين وجنوب أفريقيا والبرازيل وإندونيسيا وكوبا- الحرب، واصفةً إياها بأنها "غير شرعية وغير مقبولة، وذات دوافع إمبريالية"، دفعت التداعيات السياسية والاقتصادية والتنموية للحرب الخبراءَ إلى طرح سؤالٍ مركزيّ مفاده: لماذا تبدو قدرة البلدان النامية على التفاوض الجماعي مع القوى الغربية التقليدية -لتحقيق أهداف مشتركة- ضعيفةً في هذه المرحلة؟ أما الإجابة، فيمكن تلخيصها على النحو الآتي:

أوّلاً، يرتبط أحد التفسيرات الواضحة بالاعتماد التاريخي على مفهوم "الاستقرار القائم على الهيمنة". فعلى الرغم من الدعوات المتكرّرة من الجنوب العالمي لإصلاح المؤسسات متعددة الأطراف -بما يعكس واقع النظام الدولي المعاصر- لا تزال القوى المهيمنة في الشمال متردّدةً في ذلك.

ثانياً، يهتمّ الشمال العالمي أكثر باكتساب نفوذٍ جيوسياسي من خلال تشجيع الحمائية التجارية والممارسات التقييدية للتجارة، بدلاً من تحريرها.

ثالثاً، في ظلّ صعود الاقتصادات الناشئة، كالصين، التي تهيمن على قطاع التصنيع العالمي، ومن دون أي نية لتغيير مسارها في السنوات المقبلة، يتوخّى الشمال العالمي الحذر من السماح بظهور "صين" أخرى، ما قد يُقوّض فرصه في تحقيق الأمن والازدهار الاقتصادي.

تعتبر "دبلوماسية التنمية" التي تنتهجها الهند، برأي المراقبين، ركيزةً أساسيةً تتجاوز نطاق الحرب والسلام والأمن والصراع والمصالح الاستراتيجية، لتشمل تحقيق ازدهارٍ اقتصاديّ شامل للجميع. وعليه، وفي ظل الغموض الذي يلفّ المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، لم يعُد أمام الجنوب العالمي سوى التحرّك بواقعية، عبر التركيز على أهداف قريبة المدى، وبناء تحالفات مرنة وصغيرة قائمة على قضايا محدّدة، بدل انتظار توافقات كبرى قد لا تأتي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث