ما إن بدأت الولايات المتحدة بمحاولات توسيع سيطرتها على ممر بنما، حتى انتقل التوتر سريعاً إلى مضيق هرمز. فبعد خطوة لافتة كاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من داخل قصره، بدا أن واشنطن تتجه لاستكمال هذا المسار عبر الضغط على كوبا، بحكم موقعها المرتبط بممر بنما. لكنها بدلاً من ذلك توجهت إلى إيران، حيث بدأت حرباً كان من أبرز أهدافها فرض النفوذ على مضيق هرمز.
واليوم، يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى طرح كوبا كأولوية في خطابه، وكأنها استكمال مباشر لمسار لم يُحسم في بنما، وعودة إلى فكرة السيطرة الكاملة على الممر الكاريبي الممتد حتى الأطلسي.
وبينما يبدو المشهد كأنه تحرك عسكري عشوائي من الولايات المتحدة لتحرير المضائق من قبضة ما تسميهم بالدول الدكتاتورية، جاءت تصريحات روسيا والصين لتعيد توصيف ما يجري باعتباره توزيع أدوار داخل المعسكر الغربي، ومحاولة علنية من الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء، للحفاظ على الهيمنة الغربية عبر استغلال الموارد والممرات الدولية.
ومع رفض هذا المسار، يتكرّس واقع قائم على صراع مفتوح مع معسكر تقوده روسيا والصين لوقف النظام الذي يفرضه الغرب، والقائم على قواعد تخدم السيطرة على الممرات والمضائق.
السيطرة على هرمز
بالرغم من الخلافات العلنية بين واشنطن وأوروبا، التي ظهرت بوضوح في انتقادات دونالد ترامب لحلفائه بسبب إيران، إلا أن ما يجري على الأرض يوحي بتكامل أدوار أكثر منه انقساماً حقيقياً، بحسب تأكيدات الصين وروسيا. فالدول الأوروبية، من بريطانيا إلى فرنسا وألمانيا، تمضي فعلياً في بناء تحالف عسكري في مضيق هرمز، استعداداً لملء الفراغ بعد إضعاف إيران، وليس للابتعاد عن الصراع.
تُقدَّم هذه القوة البحرية بقيادة بريطانية وفرنسية على أنها مهمة دفاعية هدفها حماية حرية الملاحة والقانون الدولي. وبحسب ما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فإن هذه القوة لن تُنشر إلا بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار، وستعمل تحت غطاء قانوني يركز على حماية التجارة العالمية، وإزالة الألغام، وضمان تدفق الطاقة.
لكن هذا الخطاب لا يغيّر جوهر الواقع: إدخال قوة عسكرية إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم يعني عملياً وجوداً مباشراً في منطقة نزاع، حتى لو تم تقديمه كحماية للملاحة. أي إن الفارق بين الدفاع والهجوم هنا يصبح سياسياً أكثر منه عملياً. فبينما تسعى الولايات المتحدة لفرض أمر واقع عبر القوة العسكرية، تحاول أوروبا الوصول إلى النتيجة نفسها، وهي إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وضمان تدفق الطاقة، لكن عبر صياغة قانونية تمنح تحركها غطاءً شرعياً.
بالنسبة إلى إيران وحلفائها روسيا والصين، هذا التفريق لا يغيّر كثيراً. فوجود سفن حربية أجنبية في مضيق تعتبره إيران جزءاً من مجالها الحيوي يُقرأ كضغط مباشر، بغض النظر عن التسمية أو الغطاء القانوني. وفي هذا السياق، وصفت تصريحات وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف من بكين، النهج الغربي الجماعي بأنه "استعمار جديد"، مشيراً إلى أن هناك أغلبية عالمية باتت مستعدة لمواجهة هذا النظام من أجل إنتاج نظام دولي أكثر عدلاً.
ويبدو أن الاستعداد للمواجهة المفتوحة لا يقتصر على مضيق هرمز، بل يمتد إلى جبهات أخرى محتملة، وفي مقدمتها كوبا.
كوبا: الجبهة المقبلة
روسيا، التي تنظر إلى كوبا بوصفها موقعاً استراتيجياً مقابلاً للنفوذ الأميركي في خاصرته القريبة، بدأت بتعزيز حضورها هناك بشكل متسارع، عبر تدفّق النفط، وإدارة شركات روسية لمنشآت صناعية، في محاولة لكسر الحصار الأميركي وإبقاء الجزيرة قادرة على الصمود في ظل أزمة طاقة خانقة.
في المقابل، يرفع ترامب منسوب التصعيد تجاه كوبا. فبعد حديثه عن إنهاء الحرب مع إيران، انتقل مباشرة إلى الحديث عن الجزيرة، متحدثاً عن "فجر جديد" قريب، ومؤكداً أن التغيير هناك بات مسألة وقت، وأن واشنطن لم تعد تمتلك سوى خيارات ضغط قصوى، بما في ذلك التدخل العسكري أو القصف.
وكان ترامب قد شدد العقوبات الاقتصادية على كوبا منذ أشهر، ضمن نهج يهدف إلى تغيير سلوك ما يصفه بالأنظمة المعادية، وكخطوة أولى لفصلها عن روسيا والصين قبل الانتقال إلى مرحلة الاستهداف المباشر، بعد فنزويلا وإيران. ونتيجة هذا النهج، تمر كوبا بوضع اقتصادي صعب وصفه ترامب بأنه "على حافة الهاوية"، مبرراً ذلك بأنه يسعى لمساعدة الكوبيين على الحصول على حياة أفضل.
في المقابل، تحصل كوبا على دعم اقتصادي من الصين، بينما تتولى روسيا دعمها في مجالات الطاقة وبعض الجوانب العسكرية، في محاولة لمساعدتها على الصمود بوجه ما تعتبره الأطماع الأميركية المرتبطة بالسيطرة على الممرات، وصولاً إلى ممر بنما.
بالتوازي مع ذلك، تركز بعض الصحف الأوروبية على قلق متصاعد في الغرب من احتمال إعادة روسيا ترسيخ وجودها العسكري في كوبا، عبر تطوير أو استعادة مواقع تعود إلى الحقبة السوفياتية. وتُقدَّم هذه السردية ضمن إطار أوسع يصوّر موسكو كقوة تعيد تمديد نفوذها خارج محيطها التقليدي، من أوروبا إلى الكاريبي، في استعادة غير مباشرة لمشهد الحرب الباردة، بما يهيّئ بيئة خطابية أكثر تقبّلاً للتدخل الأميركي.
أما كوبا، فجاء ردها واضحاً ومشابهاً للخطاب الإيراني من حيث الاستعداد للمواجهة. فقد أعلن الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أن بلاده مستعدة للقتال، وأن أي هجوم سيُقابل برد لا بتفاوض. وهكذا تتحول كوبا تدريجياً إلى جبهة مفتوحة.
هذه التطورات تبدو أقرب إلى حلقات متصلة في صراع واحد مفتوح على الممرات الحيوية في العالم، وإعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام الدولي نفسه. وبين محاولات فرض السيطرة، وردود الفعل المقابلة، وتداخل الأدوار بين الحلفاء والخصوم، يبدو أن العالم يدخل مرحلة أكثر حدّة: حرب ممرات مفتوحة، بلا خطوط تماس ثابتة، وبلا نهاية واضحة حتى الآن.




