زيارة الشرع إلى السعودية.. ترسيخ تحالف متعدد الأبعاد

خاص - المدنالأربعاء 2026/04/22
Image-1776861169
حجم الخط
مشاركة عبر

اختتم الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس الثلاثاء، زيارة رسمية إلى مدينة جدة السعودية، أجرى خلالها سلسلة لقاءات سياسية واقتصادية بارزة، في مقدمتها لقاؤه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إضافة إلى اجتماع مع رئيس مجلس الأعمال السعودي السوري محمد بن عبد الله أبو نيان.

وبينما عكست المباحثات الرسمية مستوىً متقدماً من التنسيق، فإن الأهمية الحقيقية للزيارة تتجلى في مآلاتها وما تحمله من مؤشرات على مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، تتجاوز إعادة التواصل إلى بناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

 

تثبيت مسار الشراكة السورية-السعودية

في صدارة الزيارة، عقد الشرع جلسة مباحثات مع ولي العهد السعودي، بحضور مسؤولين من الجانبين، حيث تناولت النقاشات سبل تعزيز العلاقات الثنائية، مع تركيز خاص على التعاون الاقتصادي والاستثماري ومشاريع الربط الإقليمي، إلى جانب استعراض تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية.

ويرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس تحولاً نوعياً في العلاقة، إذ لم تعد مقتصرة على استعادة العلاقات الدبلوماسية، بل انتقلت إلى مرحلة بناء شراكات عملية، خصوصاً في ظل رغبة مشتركة في استثمار التحولات الإقليمية لصالح البلدين.

وفي أول تعليق له عقب الزيارة، أكد الشرع أن اللقاء مع بن سلمان ركز على توسيع الشراكات الاقتصادية، ومناقشة التحديات الإقليمية وانعكاساتها على أمن المنطقة، في إشارة إلى تداخل المسارين السياسي والاقتصادي ضمن رؤية متكاملة.

 

الاقتصاد في قلب التحرك

ويعكس لقاء الشرع مع رئيس مجلس الأعمال السوري السعودي، توجهاً عملياً نحو تفعيل الاستثمارات، وتحويل التفاهمات إلى مشاريع على الأرض، خصوصاً في ظل الحديث عن فرص استثمارية كبيرة في سوريا.

وتشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تسارعا في تنفيذ مشاريع مشتركة، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل، وهو ما يتقاطع مع جهود أوسع لتحويل سوريا إلى عقدة لوجستية تربط الخليج بالمتوسط وأوروبا.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي السعودي عشق بن سعيدان، لـ"المدن"، إن "زيارة الشرع إلى السعودية تناولت العلاقات الثنائية وسبل تطورها، لا سيما في مجالات الاقتصاد والاستثمار ومشاريع الربط الإقليمي"، مشيراً إلى أن هذه الملفات باتت في صلب التحرك المشترك بين البلدين.

ويوضح بن سعيدان أن هذا التوجه يأتي بعد مباحثات جرت بين وزي النقل السوري يعرب بدر، ونظيره السعودي صالح الجاسر، ركزت على تعزيز الربط الإقليمي عبر شبكة سكك حديدية وممرات برية دولية، تربط الخليج العربي بأوروبا مروراً بسوريا وتركيا.

كما يشير إلى أن هذه الخطوات تزامنت مع توقيع اتفاقية تعاون ثلاثية في مجال النقل، جمعت سوريا وتركيا والأردن، ما يعزز من فرص إنشاء ممرات إقليمية متكاملة.

ويرى بن سعيدان أن مشاريع الربط الإقليمي تحمل أبعاداً استراتيجية متعددة، تشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز النقل البري السككي، إلى جانب إطلاق مشاريع طاقة كبرى من شأنها إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة.

ويؤكد أن هذه التحركات تندرج ضمن معادلة إقليمية جديدة، تسعى فيها السعودية إلى توسيع تحالفاتها، في حين تعمل سوريا على ترسيخ سياسة الحياد الإيجابي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، ما يمهد لتحويل العلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد.

 

ما بعد الزيارة.. إعادة تموضع سياسي

من جهته، يرى مطير الرويحلي، وهو أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية والإقليمية من الرياض، أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مضمونها المباشر بل في سياقها العام، مشيراً إلى أن السعودية لعبت دوراً محورياً في إعادة سوريا إلى محيطها العربي، سواء عبر الجهود الدبلوماسية أو من خلال دعم تخفيف العقوبات وإعادة دمجها دولياً.

ويؤكد الرويحلي لـ"المدن"، أن هذا الدور يتعزز عبر بناء شراكات استراتيجية، تشمل دعم الاقتصاد السوري، وتأسيس أطر تعاون طويلة الأمد، من شأنها مساعدة دمشق على تجاوز أزمتها واستعادة الاستقرار.

ويضيف أن سوريا بعد سنوات من الحرب، تحتاج إلى دعم عربي فعّال لإعادة بناء مؤسساتها، وهو ما يجعل الشراكة مع السعودية عنصراً أساسياً في هذه المرحلة، خاصة في ظل الروابط التاريخية بين البلدين.

 

توقيت حساس وتحولات متسارعة

وتأتي الزيارة في ظل ظروف إقليمية معقدة، مع تصاعد التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو ما يمنحها بعدا استراتيجيا يتجاوز الإطار الثنائي. 

ويشير الرويحلي إلى أن تراجع النفوذ الإيراني المحتمل يفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى، ما يستدعي تنسيقيا عربيا أوسع، تكون سوريا جزءاً منه، خاصة في ظل موقعها الجغرافي ودورها المحوري في الإقليم.

بدوره، برى الباحث السياسي حمد شهاب الطلاع، في حديث لـ "المدن"، أن الزيارة تمثل خطوة باتجاه بناء تحالفات استراتيجية قد تصل إلى مستويات متقدمة من التنسيق، مشيراً إلى أن التحديات المشتركة تدفع البلدين إلى رفع مستوى التعاون.

ويؤكد أن التطورات الإقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الطاقة وطرق التجارة، تفرض البحث عن بدائل استراتيجية، من بينها استخدام الأراضي السورية كممر لصادرات الطاقة نحو المتوسط. كما يشدد الطلاع على أن الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً لحجم المخاطر، ما يدفع نحو تنسيق سياسي واقتصادي وربما أمني، في مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة.

 

سوريا في قلب المعادلة الجديدة

تشير مخرجات الزيارة، حسب مصادر سعودية، إلى أن سوريا باتت تتحول إلى عنصر فاعل في معادلة إقليمية جديدة، تقوم على موازنة النفوذ وتوسيع الشراكات، دون الانخراط في صراعات مباشرة.

هذا التحول يفتح المجال أمام دمشق لاستعادة دورها ليس فقط سياسيا بل اقتصاديا أيضاً، عبر استثمار موقعها الجغرافي في مشاريع النقل والطاقة، وهو ما يتقاطع مع المصالح السعودية في تنويع الخيارات الاستراتيجية.

ويقول الباحث في مركز عمران للدراسات علي عبد المجيد، لـ"المدن"، إن الزيارة تأتي استكمالا لجهود سابقة ركزت على تشجيع المستثمرين السعوديين ورجال الأعمال السوريين على التوجه نحو الاستثمار في سوريا. ويلفت إلى أن المرحلة الحالية تتطلب ضخ استثمارات كبيرة، خصوصاً في قطاعات إعادة الإعمار، للانتقال من العمل الإغاثي إلى التعافي الاقتصادي.

ويضيف عبد المجيد أن هذا الحراك لا يقتصر على السعودية، بل يتقاطع مع اهتمام دولي أوسع يدعم مرحلة التعافي في سوريا، عبر تهيئة بيئة استثمارية قادرة على إنتاج رأس مال وطني، بعيدا عن الاعتماد على الديون.

ووسط كل ذلك، تعكس زيارة الشرع إلى السعودية (وهي الرابعة من نوعها منذ تحرير سوريا من النظام السابق) استمرار توطيد العلاقات الثنائية بين الجانبين، عنوانها الانتقال من التنسيق إلى الشراكة، ومن التفاهمات إلى المشاريع.

وتؤكد المصادر السعودية أن ما بعد الزيارة الحالية يبدو أكثر أهمية من تفاصيلها، إذ تشير المؤشرات إلى تشكل محور تعاون مرن يستند إلى المصالح المشتركة والتحديات المتشابكة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث