ربع اتفاق بربع ثمن.. لشراء ربع هدنة

Image-1776864425
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بتجريد المشهد الراهن من حواشيه الكثيرة والمتزاحمة بالمناكب في أزمة الحرب على إيران، يمكنك رؤيته هكذا: أميركا تريد شراء يورانيوم إيران المخصب، وإيران لا تمانع بيعه!

أين الخلاف إذن؟! ولماذا يستمر الصراع ويتصاعد في بعض محطاته، حتى يلامس سقف حرب يخشى البعض أن يعلوها أو أن يتخلف عنها غبار  نووي! الخلاف ببساطة، هو نفسه الخلاف حول الثمن، فأنت (أميركا) راغب بشدة في الحصول على كل اليورانيوم المخصب لدى إيران، بينما هي (إيران) تمانع بشدة، ربما لرغبة عندها لا تقاوم في اقتناء عقد نووي مخصب بشدة، وربما طمعاً في ثمن يعوضها عن "تحويشة" نصف قرن من العقوبات والحصار والحروب.

جرّب الأميركيون الحصول بالقوة على يورانيوم الملالي المخصب، لكن المحاولات الأميركية باءت كلها بالفشل، وها هم في أحد أعلى تجليات الصراع، يحاولون المزج بين القوة وبين الحيلة، لانتزاع القدر الثابت حيازته لدى إيران من اليورانيوم الأعلى تخصيباً، الذي قدرت ايران قيمته بسبع وعشرين مليار دولار، بينما تقول أميركا إن قيمته لا تزيد عن ستة مليارات دولار! 

 

الحوارات التي تستضيفها إسلام آباد قد تحقق اختراقاً تزدهي به باكستان لاحقاً، إذا انتهت المساومات حول الجوهرة النووية الإيرانية، عند مقابل يرتضيه الطرفان، والذي ذهبت طهران في أحد طروحاتها بشأنه إلى حد عشرين مليار دولار، ثم خفضتها -إلى ما قبل كتابة هذه السطور- إلى خمسة عشر مليار دولار. خلاصة المشهد هو أن الاختلاف بين واشنطن وطهران لم يعد حول مبدأ التخلي عن اليورانيوم المخصب، وإنما حول ثمن التخلي عنه، أما ما يتبقى من خلافات بعضها دموي، فكله حول التفاصيل وبعضها شائك، أو موجع، أو معرقل. 

تبقى التفاصيل حول: إلى أين يذهب اليورانيوم الإيراني المخصب؟ ومن سوف يتسلمه؟ وما مصيره لاحقاً؟ وهل تستطيع إيران في مقبل السنين استعادته بعد خفض مستوى التخصيب عند معدلات تقبلها الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟! مناقشة التفاصيل، والانتهاء إلى إجابات مقبولة، هي عملية قد تستغرق سنوات، لن تنتهِ خلالها المواجهات مع طهران حول قضايا أخرى لا تقل أهمية عن ملفها النووي، فما ينبغي تفكيكه ليس مجرد قنبلة أو صاروخ، وإنما هو مشروع إيراني متكامل غايته الهيمنة على الإقليم، أو الاحتفاظ بدور قيادي فيه، تقول إيران إنه بناء بالضرورة، ويقول جوارها الاقليمي إنه هدام في جوهره، أو معرقل في أقرب احتمالاته.

 

تفكيك المشروع الإيراني، عملية سوف تطول، وتمتد، وتتعمق، على مدى سنوات، يسعى خلالها الإقليم إلى تغيير إيران، أو تغيير أفكارها، عبر الاستيعاب او التعاون أو حتى التكامل في بعض أطواره أو تجلياته. لكن عملية التفكيك والتغيير، لا تتحقق بالضرورة باستخدام القوة، وإنما بأفكار لإعادة التركيب بعد التفكيك، تأخذ بالاعتبار حقائق يفرضها التاريخ وتستدعيها الجغرافيا.

بعض أبرز هذه الحقائق، جرى استدعاؤها إلى أجواء الأزمة المتفجرة، هكذا..، وكأنما جرى الاستدعاء عفو الخاطر، دون رؤية استراتيجية بالضرورة، ودون فكر يمهّد لهذه الرؤية ويبسطها أمام عيون الإقليم .

 

في قلب هذه الرؤية، جرى استدعاء باكستان، في لحظة تصاعد فيها القلق، حين حضرت الأسئلة وغابت أو استعصت الإجابات، عملية الاستدعاء لم يقم بها إطار جماعي أو إقليمي، ولا تفاهمات ثنائية مع جوار عربي أو إسلامي، وإنما استدعاها القلق، ورجحت كفتها الظنون، حين شاهدت حكومات الخليج وشعوبه، كيف عجزت قواعد أميركية احتضنها الخليج عن توفير الأمن لدوله وشعوبه، بل كان ممكناً أن يرى أغلب الناس ، في حرب يتعقب شهودها مسارات الصواريخ والمسيرات كل ليلة، من أين تنطلق، و فوق أي رـس تسقط، كيف جرى سحب بعض بطاريات "باتريوت" و"ثاد" الأميركية من قواعدها في الخليج إلى قواعد لها في إسرائيل الأولى بالحماية. 

كان مشهد سحب بطاريات الصواريخ من مناطق عملها في بلدان خليجية، وإعادة تركيبها في إسرائيل التي تلقت فقط أقل من عشرين في المئة من صواريخ ملالي إيران، كافياً لاستدعاء باكستان من هامش اهتمامات الشرق الأوسط إلى قلب الخليج. 

 

قد لا ينتبه البعض إلى حقيقة أن قلب إقليم الشرق الأوسط منذ نشأة هذا المصطلح، كان يحتضن كلاً من باكستان وأفغانستان، وأن المعنى الاصطلاحي السائد الذي يضع المنطقة العربية في قلب الشرق الأوسط، هو تعبير غير دقيق، لكن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أعاد -ربما عن غير قصد- وضع باكستان في قلب الشرق الأوسط، وذلك بتوقيع معاهدة دفاع مشترك معها حرص على أن تشمل استخدام كل المقدرات لكلتا الدولتين (في إشارة إلى البعد النووي في ترسانة القوة الباكستانية). 

وكأنما تحركت الرؤى والأفكار بعصا "مايسترو" كان يطلق معزوفته من الرياض ليسمعها الإقليم كله، فإذا باكستان التي عاشت منذ تأسيسها على هامش الشرق الأوسط، وقد باتت في قلبه.

لا أظن أن استدعاء باكستان لتصبح في قلب هموم الإقليم واهتماماته، كان عملاً أميركياً صرفاً، إذ ربما تلقى الرئيس الأميركي ترامب ترشيحاً أو تزكية أو نصيحة خليجية (سعودية بصفة خاصة) تشير إلى ما يمكن أن تتيحه لباكستان (بخلفيتها النووية) من مهام أغلبها انتقالية في ظاهرها،  لكن قلبها استراتيجي، فيما يتعلق بإدارة الصراع والسياسة والدبلوماسية مع ايران.

 

باكستان التي استضافت مفاوضات الحرب والسلم بين الولايات المتحدة وايران، ليست مجرد طاولة عابرة استدعاها ظرف عارض إلى اقليم مضطرب، لكنها على الأرجح، لاعب سوف يحجز مكانه بين اللاعبين الأساسيين في مباراة نهائي إعادة هيكلة الشرق الاوسط الجديد. 

نحن الآن بصدد الدور ربع النهائي لكأس الشرق الأوسط الجديد، حيث الطموحات ليست كبيرة وإنما واقعية، ترمي "انتقالياً" إلى انجاز ربع اتفاق، بربع ثمن، مقابل ربع هدنة. فالمهم عند كافة الأطراف -عدا اسرائيل وطرف عربي آخر- هو تجنب الانفجار الآن ما دام بوسع زمن التسويات أن يتمدد.

ولهذا فما زالت توقعاتي للمشهد تدور حول خطوات رمزية مثل تسليم "بعض" اليورانيوم المخصب، مقابل الحصول على "بعض" الأرصدة المجمدة. 

ربع اتفاق، بربع ثمن، لشراء ربع هدنة. كلها رمزيات لا تتحقق كلها وإنما يحضر بعضها ويغيب أغلبها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث