طلبت إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا من الاتحاد الأوروبي رسمياً، أثناء اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الدوري المنعقد في لوكسمبورغ، مناقشة اقتراح لإنهاء شراكة الاتحاد مع إسرائيل لانتهاكها شروط هذه الشراكة بتغولها على حقوق الإنسان في فلسطين. وقد وقّع أكثر من مليون مواطن أوروبي عريضةً تؤيد إنهاء الاتفاقية، في ظل ضغط دبلوماسي يفاقم التوتر الدبلوماسي الشديد بين إسرائيل وأوروبا.
وعلى الرغم من أن فرص إقرار هذه المطالبة ضئيلة بسبب قوانين الاتحاد التي تتطلب إجماعاً، فإن الأمور تتجه بدأب نحو تضاؤل التأييد لإسرائيل في أوروبا. ولا تزال دول مثل ألمانيا وجمهورية التشيك تعارض أي قرارات حادة ضد إسرائيل رغم تزايد الامتعاض من سلوكياتها. وقد خسرت إسرائيل الفيتو التلقائي الذي كانت تمتلكه في الاتحاد بعد هزيمة رئيس الحكومة المجري السابق فيكتور أوربان في الانتخابات.
ويرى معلقون إسرائيليون أنه ليس من المبالغة القول إن وضع إسرائيل أوروبياً لم يكن أبدا بهذا السوء من قبل، وأن ما يجري أقرب إلى "انهيار ديبلوماسي". فأينما تنظر في أوروبا، باستثناء صربيا وجمهورية التشيك ربما، غدا الوضع سيئاً للغاية.. وبعد خسارة فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا منذ زمن، صار حتى أقرب الأصدقاء ينضمون إلى التيار المعادي لإسرائيل: فقد علّقت إيطاليا اتفاقية الأمن، ولا تروق لألمانيا الانتقادات التي يوجهها الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمستشارهم.
وعلى الرغم من تزايد مظاهر الاستخفاف الإسرائيلي بالمواقف الأوروبية، إلا أن قادة إسرائيل يدركون أن الاتحاد الأوروبي ليس فقط أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وإنما كذلك أكبر وأقوى حليف للولايات المتحدة في العالم المعاصر. كما يدركون أن الموقف الأوروبي، طال الزمن أم قصر، يؤثر ويتأثر بالموقف الأميركي وهذا ما يترك دلالاته السياسية العميقة. ومع ذلك بدا وكأن الموقف الشعبي الأميركي يضغط وبسرعة كبيرة للتجانس، بقدر ما، مع الموقف الأوروبي ويدفع إلى مراجعات سياسية لدى قطبي النظام السياسي الأميركي.
بدء التقلبات
وقد بدأ الإسرائيليون يستشعرون أثر التقلبات العلنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي تشكل، أحياناً، إحراجات داخلية جدية لرئيس الحكومة الإسرائيلية المطلوب للجنائية الدولية، نتنياهو. ورغم الزهو الكبير الذي أبداه نتنياهو خصوصاً، واليمين الإسرائيلي عموماً، بتبني ترامب لمواقفهم، فإن النقاش يتعاظم داخل الدولة العبرية عن مدى استقلالية القرار الإسرائيلي في كل ما يتصل بالحرب مع إيران ولبنان.
وبحسب معلقي القناة (12) في التلفزيون الإسرائيلي، "تبرز حقيقة مُزعجة: إسرائيل عام 2026 دولةٌ تتقلص مساحة عملها. لا يقتصر الأمر على الاعتبارات الأمنية أو العسكرية فحسب، بل يتعداه إلى واقع جيوسياسي حيث توجد جهة مهيمنة تُقرر متى يُسمح بالتدخل، وكيف يُسمح به، وما إذا كان مسموحاً به أصلاً. إذ امتثل نتنياهو لكل نزوة أو طلب من الرئيس الأميركي". وفي نظرهم، "تغيرت الصورة تماماً. لم تعد العلاقة بين متكافئين، بل أصبحت علاقة هرمية. لم تكن شراكة، بل تبعية".
ولم يبدِ الإسرائيليون ارتياحاً لفرض أميركا عليهم قرار وقف إطلاق على الجبهة اللبنانية حتى ولو جزئيا بحصر المعركة في الجنوب. وطبعاً كان الامتعاض الإسرائيلي واضحاً بسبب ما بدا من ربط بين وقف النار في إيران ووقفه في لبنان. وكان الاستفزاز الإسرائيلي من تغريدات ترامب جلياً، خصوصاً تلك التي أعلن فيها بحدة: "لن تهاجم إسرائيل لبنان مجدداً، فقد منعتها الولايات المتحدة من ذلك. كفى!".
ويرى معلقون أن تقلبات ترامب في هذا السياق تنبع من رغبته في تجسيد قناعاته من جهة، والتجاوب مع متطلبات الحفاظ على قاعدته في الحزب الجمهوري حيث يجري اتهامه بأنه ينجرّ خلف نتنياهو وإسرائيل. وترامب يريد أن يظهر للجمهور، خصوصاً لأنصار "ماغا" الجمهوريين الذين يتعاظم نقدهم لإسرائيل، أنه هو من يدير الأمور ويبادر بالخطوات وليس نتنياهو، وأنه يخدم المصالح الأميركية. كما أن ترامب يخشى من اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي وفي ظل تعاظم الشك بانجراره خلف نتنياهو.
خسارة أميركا
لكن أشد ما يثير قلق الإسرائيليين هو ما يجري في أميركا ذاتها من تراجع لمكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي، ما دفع أشهر الصحافيين الأميركيين اليهود، توماس فريدمان، للإعلان في مقابلة تلفزيونية: "إسرائيل تخسر أميركا". وأضاف "أخشى أن يعرف أحفادي شيئاً لم أعرفه قط، وهو أن أكون يهودياً في عالم تُنبذ فيه الدولة اليهودية". هذه الخشية المتزايدة في أوساط يهود أميركا والكثير من مثقفي إسرائيل، ظهرت أيضاً في كلام رئيسة برنامج الدراسات الأميركية في جامعة تل أبيب ياعيل شترنهل في مقابلة إذاعية. إذ قالت أن التيار الرئيسي في الحزب الديمقراطي الأميركي، صار ينظر إلى إسرائيل كعبء وليس كقيمة، وأنها "دولة تجرّ الولايات المتحدة إلى مغامرات خطيرة - دولة فقدت السيطرة". وأضافت "من المهم أن يُدرك الرأي العام في إسرائيل الفجوة الشاسعة بين الرواية التي تُقدّمها إسرائيل والرواية التي تُروى عنها في الولايات المتحدة، حتى بين أعضاء الحزب الديمقراطي المؤيدين لإسرائيل، والذين لا ينتمون إلى اليسار التقدمي الراديكالي، والذين قدموا إلى إسرائيل ودعموها لسنوات".
ومن المؤكد أن تصويت أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ على وقف مبيعات الأسلحة لإسرائيل، أشار إلى مدى تزايد نظرة الولايات المتحدة إلى إسرائيل كدولة عنيفة وخطيرة تُزعزع الاستقرار وتجرّ الولايات المتحدة إلى مغامرات خطيرة. وكتب السيناتور اليهودي بيرني ساندرز، المعروف بمعارضته للسياسة الإسرائيلية: "عندما بدأنا هذه الجهود، لم يكن لدينا سوى 11 صوتاً، أما الآن فقد أصبح لدينا 40 صوتاً. هذا التغيير يعكس موقف الشعب الأميركي".
وثمة من يشيرون إلى أن الرواية الراسخة في الولايات المتحدة عام 2026، هي أن نتنياهو جرّ ترامب إلى الحرب مع إيران، وأن ركوداً اقتصادياً حاداً سيأتي. ويلوح في الأفق احتمال قيام الكونغرس بفرض إجراء تحقيق شامل، ستدفع إسرائيل ثمنه إذا تم فعلاً. وتستند هذه الرواية إلى معلومات تفيد بأن الموساد أقنع الأمريكيين بأنه في حال نجاح اغتيال عدد من قادة النظام، ستتمكن إسرائيل من تدبير انقلاب في شوارع إيران، وفي الوقت نفسه تسليح جماعات كردية من الخارج، للسيطرة على مناطق جغرافية من إيران بهدف البدء في تفكيكها على المدى البعيد.
وقد تبنت المرشحة الرئاسية السابقة والتي تنوي أيضا الترشح مستقبلاً، كامالا هاريس، هذه الرواية في خطاب شبه انتخابي، معلنة أن "نتنياهو زجّ ترامب في الحرب"، وأن ترامب دخل الحرب "في محاولة بائسة لصرف الأنظار عن ملفات إبستين". واتهمت هاريس ترامب بأنه يتصرف كـ"زعيم عصابة"، وأشارت إلى انتخابات التجديد النصفي المقبلة، معربة عن ثقتها في فوز الحزب الديمقراطي "بشكل ساحق" في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وهذا ما اضطر ترامب وعلى مبدأ "الكفر عناد" لأن ينشر لاحقاً تغريدة على شبكته الاجتماعية "تروث سوشال"، أشاد فيها بإسرائيل، قائلاً: "سواء أعجب الناس ذلك أم لا، فقد أثبتت إسرائيل أنها حليف عظيم للولايات المتحدة". وصف الإسرائيليين بأنهم "شجعان، جريئون، مخلصون، وأذكياء - وعلى عكس غيرهم ممن تنكشف حقيقتهم في لحظات الصراع والضغط - فإن إسرائيل تقاتل بشراسة وتعرف كيف تنتصر".
ليس شعوراً عابراً
تُظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات مرموقة، مثل مركز "بيو" للأبحاث ومؤسسة "غالوب"، صورة واضحة: يتراجع الدعم لإسرائيل إلى أدنى مستوى تاريخي بين سكان الولايات المتحدة. وعلى سبيل المثال، وفقاً لبيانات مركز "بيو"، على مدار ربع القرن الماضي، كان معظم الأميركيين يدعمون إسرائيل في الصراع مع الفلسطينيين. لكن في عام 2025، حدث انقلاب، وانخفضت نسبة الدعم لإسرائيل إلى 46%. هذا العام، انخفض الرقم إلى 36%. كما يُظهر استطلاع "غالوب" صورة مماثلة: قبل أربع سنوات، كانت غالبية سكان الولايات المتحدة (55%) لديهم رأي إيجابي تجاه إسرائيل. في العام الماضي، انعكس هذا الوضع، حيث كانت غالبية الأميركيين (53%) تحمل رأياً سلبياً، وقد تفاقمت هذه الظاهرة هذا العام أيضاً (37% يحملون رأياً إيجابياً مقابل 60% يحملون رأياً سلبياً).
والأمر لا يعود إلى فشل الدعاية الإسرائيلية وإنما إلى ما ينشر من فظائع إسرائيلية في غزة ولبنان والضفة الغربية، والتي تصل إلى العالم أجمع. ويرى البعض أن جانباً من التحول يعود حقيقة إلى تحالف إسرائيل بقيادة نتنياهو في العقدين الأخيرين مع اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا وأرجاء العالم. وأن هذا التحالف استند إلى فرضية أن المتعصبين البيض الذين لا يؤمنون بالديمقراطية أفضل لإسرائيل من الليبراليين الديمقراطيين. ويؤمن كثيرون أن غضب الشارع من إسرائيل في دول العالم سوف ينتقل في النهاية إلى البرلمانات والحكومات، وسيصل في وقت غير بعيد إلى أروقة الكابيتول والبيت الأبيض في واشنطن. وهذا هو التهديد الوجودي الجديد لإسرائيل الذي يتبلور بقوة.



