بدا منتدى انطاليا الدبلوماسي الخامس معبّراً عن مكانة تركيا وتأثيرها الإقليمي وحتى الدولي، مع مشاركة مئات من رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية والمسؤولين وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية المرموقة، ضمن خمسة آلاف مشارك بالمنتدى الذي يترجم صعود تركيا وحضورها الإيجابي في حل أزمات ومشاكل المنطقة والعالم. وركزت هذه الدورة كما هو متوقع على الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، وكيفية إنهائها والاستعداد لليوم التالي لها. وكما الدورة الرابعة، رأينا حضوراً لافتاً للرئيس أحمد الشرع واستمرار الاهتمام بسوريا الجديدة، ومظلة الحماية الواسعة والراسخة لها عربياً وإسلامياً ودولياً. إلى ذلك حضرت القضية الفلسطينية مع تقبّل الرواية العادلة لها، ومناقشات ومساعي لإبقائها على جدول الأعمال الإقليمي والدولي ودعم تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بشكل عادل ونزيه، لكن للأسف، بغياب لافت ومدوي لأهل وأصحاب القضية الفلسطينية أنفسهم في تعبير لا تخطئه العين، ولا يمكن الجدال فيه أصلاً عن الفراغ القيادي الفلسطيني الكبير المستمر منذ ربع قرن تقريباً، والذي كرّسته حرب -نكبة غزة الأخيرة.
صعود داخلي وخارجي
إذن، بدا منتدى انطاليا الدبلوماسي الخامس تعبيراً عن مكانة تركيا وصعودها ونهضتها الداخلية، وحضورها الإقليمي وتأثيرها الفاعل والواسع عربياً وإسلامياً ودولياً، حيث يعقد المنتدى بانتظام للمرة الخامسة، علماً أنه يمثل تتويجاً لرحلة الصعود التي بدأت داخلياً مع انطلاق تركيا الجديدة أوائل القرن الجاري، وخارجياً خلال العقد الأخير، وجاءت فكرة المنتدى لتواكب هذا الصعود الداخلي والخارجي مع شعور إن تركيا، ورغم مكامن قوتها، لا تستطيع وحدها مواجهة أزمات المنطقة والمحيط، خصوصاً العربي الإسلامي، وإنها بحاجة لتعاون وتنسيق وثيق مع القوي الفاعلة في المنطقة كما يحدث فعلاً مع باكستان وقطر والسعودية ومصر، مع تجاوز الخلافات إثر التطورات والتحديات العاصفة بالإقليم والعالم، خصوصاً في السنوات الخمس الأخيرة من جائحة كورونا إلى الحرب ضد إيران مروراً بحربي أوكرانيا وغزة.
تشرف وزارة الخارجية على عقد المنتدى الذي التأم هذا العام لثلاثة أيام، من الجمعة حتى الأحد، تحت شعار: "التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل". وجاء معبّراً تماماً عن الحقبة الراهنة خصوصاً بضوء الحرب ضد إيران وتداعياتها الأـممية.
تجسيداً للمعطيات السابقة، شهدت الدورة الخامسة حضوراً كثيفاً ل5 آلاف ضيف من 150 دولة تقريباً، بينهم 20 رئيس دولة وحكومة، و15 نائب رئيس دولة وحكومة، وأكثر من 50 وزيراً بينهم 40 وزيراً للخارجية. كما ضمت قائمة الحضور نحو 460 شخصية رفيعة المستوى، من بينهم 75 ممثلاً لمنظمات إقليمية ودولية مرموقة، إلى جانب عدد كبير من الأكاديميين والطلاب. لنقاش هادئ ورصين عبر عشرات الندوات والحوارات واللقاءات الجانبية لكافة القضايا والأزمات التي تواجهها المنطقة والعالم
ديمومة وقف إطلاق النار
في طبيعة المشاركة بدا لافتاً جداً إن نصف المشاركين على مستوى رؤساء الدول جاءوا من إفريقيا وأوروبا، و40 بالمئة من وزراء الخارجية من القارة السمراء، و35 بالمئة من القارة العجوز، و22 بالمئة من آسيا. في تعبير عن الاهتمام والتفاعل المتبادل بين تركيا وهذه الحلقات والقارات.
إضافة إلى تعزيز مكانة تركيا وحضورها المتزايد بشؤون المنطقة والعالم هيمنت على أعمال المنتدى هذا العام كما كان متوقعاً الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران مع تركيز على كيفية تنسيق الجهود والمساهمة بديمومة وقف إطلاق النار والعمل على اتفاق دائم للحرب.
بالسياق حضر الوسيط الباكستاني بالمنتدى بقوة عبر رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الخارجية اسحق دار، مع اجتماع الإطار الرباعي-تركيا والسعودية ومصر إضافة لباكستان- المدعوم عربياً وإسلامياً ودولياً، خصوصاً من قطر الشريكة بكافة المناقشات والجهود المبذولة. علماً أن العمل لا يقتصر على وقف الحرب نهائياً على أهمية ذلك، وإنما على رسم معالم اليوم التالي، والسعي لترتيبات إقليمية بقيادة تركية – باكستانية - سعودية - قطرية - مصرية وخليجية ضمن ما يصفه وزير الخارجية التركية هاكان فيدان بملكية إقليمية لحل مشاكل وأزمات المنطقة، وتتضمن حزمة تفاهمات واسعة سياسية وأمنية واقتصادية وكانت قد بدأت قبل الحرب التي أكدت أهميتها المضاعفة.
اهتمام لافت بسوريا
كما العام الماضي وللمرة الثانية، شهد المنتدى حضوراً لافتاً للرئيس أحمد الشرع الذي أجرى كماً كبيراً من اللقاءات والحوارات مع نظرائه وكبار المشاركين بظل اهتمام واسع ولافت بسوريا الجديدة وتكريس بل تقوية مظلة الحماية العربية الإسلامية الدولية لها والاشادة بالنجاحات الخارجية والاستقرار الداخلي وتشجيع ودعم عمليات إعادة الإعمار والتنمية والبناء الداخلية بكافة مستوياتها المؤسساتية الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مع جنى ثمار سياسة النأي بالنفس عن الحرب ضد إيران ومنع امتداد النيران للأراضي السورية.
هذا معطوفاً على التموضع الصحيح لسوريا الجديدة بحضنها الطبيعي مع انفتاح دولي والتذكير بدعوتها إلى الإطار العربي الإسلامي الموسع -12 دولة- الذي التأم في الرياض ووضع بذور التشاور والتنسيق لكيفية إنهاء الحرب والاستعداد لليوم التالي ولها ويبدو الإطار الرباعي بمثابة مجلس تنفيذي له.
بالطبع لا يمكن أن تغيب القضية الفلسطينية عن منتدى عالمي يعقد في تركيا تحديداً، وكان اجتماع للإطار الثماني العربي الإسلامي -تركيا والسعودية وقطر ومصر والأردن والإمارات وباكستان واندونيسيا- والتركيز على سبل إبقاء القضية العادلة والمركزية لأمن واستقرار المنطقة والعالم على جدول الأعمال الدولي، والتنفيذ الدقيق العادل والنزيه لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة الذي عمل عليه الإطار، حيث ثلاثة من أعضائه -قطر وتركيا ومصر- من الضامنين للاتفاق.
بمواجهة الحضور المركزي للقضية شهدنا غياب قيادي فلسطيني كبير رغم مشاركة تكنوقراطية لوزيرة الخارجية المجتهدة "فارسين أغابكيان" لكن بغياب مستهجن للقيادة "الشرعية" الرسمية الممثلة بالرئيس محمود عباس أو حتى السيد النائب "المتنفذ" حسين الشيخ، وبالطبع لا حضور لقيادة حركة حماس الموضوعة تحت الضغط والمطالبة حتى بالتنازل عن سلطتها بغزة، بينما أكد المشهد "الأنطالي" مرة أخرى الحاجة الماسة لتشكيل قيادة فلسطينية شابة موثوقة وجديرة ومصداقة ومدعومة شعبياً لملء الفراغ الحاصل منذ ربع قرن تقريباً بانتهاء حقبة منظمة التحرير الثانية، نظرياً بعد الخروج من بيروت-1982- وعملياً منذ الانتفاضة الثانية ورحيل القائد ياسر عرفات. الفراغ الذي كان سبباً رئيسياً في الاقتتال والانقسام وحرب- نكبة غزة الراهنة.




