هندسة النفوذ عبر نقاط الاختناق البحرية

ملاك عبد اللهالأحد 2026/04/19
Image-1776524129
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة بدت للوهلة الأولى دبلوماسية تقليدية، أعلنت تل أبيب تعيين أول سفير لها في إقليم أرض الصومال الانفصالي. غير أن دلالة هذا التعيين، بما يحمله من طابع اقتصادي- استراتيجي، تتجاوز بكثير إطار التمثيل السياسي، لتندرج ضمن نمط أوسع من إعادة تموضع إقليمي قائم على السيطرة غير المباشرة على الممرات البحرية أكثر من السيطرة على الدول نفسها.

هكذا، ستصبح أرض الصومال أقل أهمية ككيان سياسي، وأكثر أهمية كنقطة مراقبة متقدمة على أحد أهم "نقاط الاختناق البحرية" في العالم: مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر مدخل خليج عدن. وعليه، فإن قيمة التمركز هنا لا تنبع من الجغرافيا المحلية بحد ذاتها، بل من موقعها داخل شبكة التجارة والطاقة العالمية. هذا النمط من التحرك يعكس ما يمكن وصفه في أدبيات الجيو-بوليتيك الحديثة باستراتيجية نقاط الاختناق البحرية كما هو آنف للذكر، بحيث لا تُدار القوة عبر احتلال الأرض، بل عبر التمركز حول العقد التي تمر منها تدفقات الطاقة والتجارة، وتتحول بالتالي الموانئ والمضائق إلى ما يشبه "مفاتيح النظام الدولي".

 

فهم هذه الخطوة بمعزل عن الضفة المقابلة يظل ناقصاً. فالحضور في القرن الإفريقي يرتبط بشكل غير مباشر بمعادلة اليمن، حيث يشكل المشهد المتقلب هناك أحد عناصر التأثير على أمن باب المندب. ومع تزايد دور القوى غير الدولتية في التأثير على الملاحة، يصبح التحكم في الضفتين الإفريقية والآسيوية جزءاً من منطق إدارة المخاطر البحرية لا منطق السيطرة التقليدية. وهنا يبرز السودان بوصفه عقدة وسيطة في بنية البحر الأحمر. فامتلاكه شريطاً ساحلياً واسعاً وتعرضه لصراع داخلي طويل، يجعله نموذجاً كلاسيكياً للدول التي تتحول فيها الهشاشة إلى عامل إعادة توزيع للنفوذ الخارجي، وليس مجرد أزمة داخلية.

على الضفة الشرقية للمتوسط، يتخذ المشهد شكلاً أكثر تعقيداً. فلبنان، في ظل اختلالات الداخل، يصبح ساحة لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية، حيث يسعى بنيامين نتنياهو إلى تثبيت صيغة "سلام" أو ترتيبات طويلة الأمد. لكن هذا المسار أيضاً لا يُفهم بوصفه تسوية تقليدية، بل كجزء من إعادة دمج الجغرافيا اللبنانية في شبكة نفوذ تمتد من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، بحيث تتحول التسويات إلى أدوات هندسة إقليمية لا مجرد إنهاء صراعات. ويتعزز هذا الاتجاه مع اشتباك لبنان مع ملف الطاقة في شرق المتوسط، حيث تقع المنطقة على تقاطع مشاريع غاز متنافسة، تسعى كل منها إلى تثبيت مسارات تصدير وبنية تحتية مرتبطة بتوازنات سياسية. يصبح الاقتصاد هنا امتداداً للأمن، وتصبح الطاقة جزءاً من هندسة النفوذ.

 

ضمن هذا التصور، لا تبدو أرض الصومال والسودان ولبنان، بل حتى سوريا، كيانات منفصلة، بل حلقات داخل شبكة واحدة تُدار عبر ربط الأطراف بدل السيطرة على المركز، بما يعيد إنتاج مفهوم "النفوذ الشبكي" بديلاً عن "السيطرة الإقليمية المباشرة". وفي الجنوب السوري، تتحول المناطق الهشّة إلى فضاءات مفتوحة لإعادة تشكيل التوازنات، ضمن امتدادات أمنية غير معلنة تصل الجولان بالعمق السوري، بحيث لا يكون الهدف السيطرة المباشرة بقدر ما هو إعادة هندسة الاتصال بين الجغرافيات. وبالتالي فإن قراءة هذا المشهد عبر تفكيكه إلى ساحات منفصلة تُفضي إلى استنتاجات ناقصة. فباب المندب ليس معزولاً عن هرمز، كما أن البحر الأحمر لا ينفصل عن الخليج، بل إن ما يجري في كل نقطة اختناق يعيد تشكيل موازين النقاط الأخرى، ما يعني أن فهم التحولات الراهنة يقتضي النظر إلى الجغرافيا بوصفها بنية واحدة تتقاطع فيها مسارات الطاقة والتجارة والأمن، لا كساحات منفصلة.

غير أن هذا البناء الشبكي يصطدم بعائق بنيوي أكبر. فالتطورات المرتبطة بالتصعيد الأميركي- الإسرائيلي تجاه إيران وما رافقها من توتر حول مضيق هرمز، كشفت حدود القدرة على التحكم الأحادي بالممرات الكبرى. إذ أظهرت أزمة الملاحة في هرمز أن نقاط الاختناق لا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق قوة واحدة، بل ستخضع لتوازنات ردع متعددة الطبقات. وبذلك، فإن مشروع بناء أحزمة نفوذ تمتد من باب المندب إلى هرمز لا يصطدم فقط بتعدد الفاعلين، بل أيضاً بطبيعة النظام نفسه، حيث تبقى الممرات البحرية بمثابة فضاءات تنازع مستمر لا مجالات سيطرة مستقرة.

 

في خلفية كل هذا المشهد، يبرز عامل أكثر جوهرية من خرائط النفوذ، وهو أن هذا النمط من التمدد يعتمد على قابلية البيئات الإقليمية للاختراق، بفعل هشاشة بنيتها الداخلية أو ضعف تماسك قرارها السيادي. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في مواجهة تمدد القوى الإقليمية أو الدولية، بل في قدرة الدول على تقليل قابليتها للتحول إلى نقاط ارتكاز داخل هذه الشبكات. وحتى الدول الأكثر استقراراً في الخليج تجد نفسها أمام اختبار مماثل، بعد أن أظهرت التجارب أن ترتيبات الحماية أو الاندماج غير المتوازن في منظومات القوة لا توفر بالضرورة استقراراً دائماً، بل قد تعيد إنتاج الهشاشة بصيغ مختلفة.

لكن زبدة القول، إنَّ الجغرافيا ليست إطاراً ثابتاً للصراع، بل ستتحول الممرات البحرية في البحر الأحمر، وامتدادات القرن الإفريقي، وشرق المتوسط، وحتى الخليج، إلى شبكة مترابطة من نقاط الاختناق والتدفق في آن واحد. وفي هذه النقاط لن يُحسم الصراع عبر السيطرة المباشرة، بل عبر القدرة على إدارة الترابط نفسه، وهو بالمناسبة ما يجعل الشرق الأوسط مساحة مفتوحة على تنازع طويل الأمد، لا على حسم نهائي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث