تعدّ ظاهرة الانتحار في المجتمع المصري المعاصر فجوة عميقة في جدار الوجود الإنساني، وصدعاً غائراً في بنيان الوعي الجمعي يتجاوز كونه مجرد خلل نفسي عابر، إنما صرخة سوسيولوجية مدوية في فضاء الكينونة. إن فعل إنهاء الحياة يتخطى حدود الانقطاع البيولوجي المجرد، ليغدو "نصاً" احتجاجياً يُكتب بمداد الجسد حين تضيق اللغة عن استيعاب ثقل القهر. إننا هنا بصدد "تشريحٍ للفجيعة"، عبر حادثة انتحار المواطنة المصرية بسنت سليمان، ومن قبلها ومن بعدها، كي نحاول تفكيك الكيفية التي تحول بها الإنسان المصري من كائن يقدس البقاء، إلى ذاتٍ تبحث عن العدم بوصفه خلاصاً سيادياً أخيراً. وفي هذا المضمار، يرتسم الانتحار كمرآة صقيلة تعكس انسداد الأفق السياسي، وتوحش الروابط الاجتماعية، والذكورية منها تحديدا، وانهيار منظومات المعنى الميتافيزيقية التقليدية، مما يضعنا أمام حتمية قراءة هذا الموت كشهادة نهائية على قسوة العالم واغتراب الذات في وطنٍ صادر منها حق الحلم بالآتي، بعيداً عن حصره في خانة الخطيئة أو الجريمة.
تشريح الانتحار سوسيولوجياً
تكتسب ظاهرة الانتحار في مصر طابعاً دراماتيكياً مأساوياً بالنظر إلى التباين الحاد القائم بين الأرقام الرسمية والواقع المرصود عيانياً؛ ففي الوقت الذي ينزع فيه الخطاب الرسمي أحياناً نحو التهوين، تؤكد الإحصاءات الدولية تصدّر مصر للمشهد العربي في معدلات الانتحار، متفوقة في ذلك على دولٍ ترزح تحت وطأة نزاعاتٍ مسلحة صريحة. هذا التصدر يجسد حالة من "الموت الصامت" داخل مجتمعٍ يستنزفه الارتباك القيمي الحاد، بجانب قمع السُلطوية السياسي المستمر منذ العام 2013، حيث كشفت البيانات عن تذبذب المعدلات اتساقاً مع الأزمات الكبرى؛ ابتداءً من ألف و264 حالة في العام 2012، ما بعد الثورة والأحداث الدموية، وصولاً إلى ذروة إحصائية في عام 2016 بلغت 3 آلاف و799 حالة، أيضا بعد مذابح كبيرة، مثل مذبحة رابعة العدوية، واستمراراً في الاستقرار فوق حاجز الثلاثة آلاف حالة في العام 2019.
وإمعاناً في استقراء هذا المسار الفجائعيّ، تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى قفزة مرعبة في عام 2022، حيث سُجلت 7 آلاف و881 حالة انتحارٍ، وهو ما يمثل انفجاراً بنيوياً في بنية الوجدان الجمعي وتكريساً لليأس الوجودي كخيارٍ نهائيٍ. وعلاوة على ذلك، تذهب تقديرات المؤسسات الحقوقية في عامي 2024 و 2025 إلى أن الأرقام التي تطفو على سطح الإعلام ما هي إلا شذراتٌ تعجز عن تصوير عمق المحيط؛ إذ يُرجّح أن الأعداد الفعلية تتجاوز عشرة أضعاف المرصود نتيجة غياب الشفافية المؤسسية.
وتأسيساً على تلك المعطيات، تبرز الفئات العمرية الشابة، وتحديداً بين سن 15 و29 عاماً، كأكثر الفئات هشاشة وعرضة لهذا الفعل، وهو ما يشي بانهيارٍ تام لـِ "منظومة الأمل" المرتبطة بالتحصيل المعرفي والارتقاء الطبقي؛ إذ تحولت المؤسسة التعليمية من جسرٍ نحو المستقبل إلى مقصلة للآمال الكبرى عند أول إخفاق أكاديمي يصادف الذات.
وعلاوة على ما سبق، تمنحنا رؤية عالم الاجتماع الفرنسي "إميل دوركايم" مختبراً تحليلياً ثرياً لفهم هذا "التيار الانتحاري"؛ حيث يتجلى في الحالة المصرية "الانتحار الأنومي" أو اللامعياري، والذي يبرز بوضوحٍ إبان فترات التحولات الاقتصادية العنيفة التي تؤدي إلى تآكل المعايير التقليدية الناظمة. ومع وصول معدلات الفقر إلى مستوياتٍ تجعل 29% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، في آخر بضعة سنوات، يجد الفرد نفسه تائهاً؛ فلا العمل الجاد غدا يضمن حياة كريمة، ولا سلم الطموحات ظل محتفظاً بتماسكه، مما أدى إلى ضياع القواعد المنظمة للحياة.
وبموازاة ذلك، يطل "الانتحار القدري" المرتبط بالظروف القمعية والأنظمة القاهرة التي تُشعر الفرد بأن مستقبله "مغلف بقسوة" وأن نزواته الإنسانية خُنقت بعنف، وهو ما يفسر حالات الانتحار المرتبطة باليأس من التغيير أو التعرض للابتزاز المجتمعي. وفي هذا السياق، نجد أن اختيار وسائل مثل "قرص الغلة" في الأرياف أو "برج/ مترو القاهرة" في الحواضر يحمل دلالة سوسيولوجية عميقة؛ فالأول يمثل سهولة الوصول إلى أدوات الموت مقابل استحالة الوصول إلى أدوات الحياة الكريمة، والثاني يجسد تحولاً جذرياً من الفعل الخاص الحميميّ إلى الفعل العام الذي يستهدف الرمزية الوطنية/ القومية بُغية إحداث أكبر أثر نفسي ممكن في الوجدان الجمعي.
سلطة القهر وتوحش المجتمع
أيضا، يتعذّر عزل تزايد الانتحار عن بنية "العنف البنيوي" الذي تمارسه السلطة السياسية من جهة، و"التوحش الاجتماعي" من جهة أخرى؛ إذ يجد الفرد المصري نفسه اليوم عالقاً بين مطرقة الدولة التي تؤمم المجال العام، وتلقي بكل معارضيها في غياهب السجون بلا أي تهم حقيقية، وسندان المجتمع الذي يعيد إنتاج قيم تسلطية خانقة، فيما تتحول السلطة التي يُفترض بها إدارة الحياة، إلى آلية لإنتاج "اليأس" عبر ردم مسارات التعبير وتجريف بوارق الأمل، مما يؤدي إلى ارتداد الإحباط من الفضاء الخارجي نحو الداخل السحيق.
وبناءً عليه، يُخلق لدى المواطن شعور بـِ "الاغتراب الوجودي"، حيث يغدو مجرد "رقم" في سجلات دولة لا تعترف بكيانه الذاتي، وهذا ما يدفع البعض نحو تمثل الانتحار كفعل سيادي أخير لاستعادة ملكية الجسد المُصادَر. ولا تقف هذه السطوة عند الحدود المادية، وإنما تمتد لتشمل "العنف الرمزي" الممارس عبر خطابٍ رسمي يلوم الضحايا ويُوصمهم بضعف الإيمان، مما يضاعف شعور المنتحر بالنبذ والعزلة الروحية حتى في تخوم الموت.
وتساوقاً مع قهر السلطة، يبرز "توحش المجتمع" كمعول هادم للذات، حيث تآكلت شبكات التضامن العضوية لتحل محلها قيم الانتهازية والابتزاز. وتعد واقعة انتحار "بسنت سليمان" الشهر الجاري، تكثيفاً مأساوياً لهذا التوحش في ظل هيمنة "الذكورة السامة" وعنف العلاقات البينية؛ فانتحار بسنت تجلى كحصيلة لـِ "تراكم المظالم" التي اشترك في نسجها الزوج الذي خذلها برحيله تاركاً إياها معلقة في مهب الريح، والمؤسسة القانونية التي تركتها تكابد أربع سنوات في ردهات المحاكم، والمجتمع الذي اغتال سمعتها عبر "الغيبة والنميمة ورمي الناس بالباطل".
إن هذا النمط من الرحيل هو في جوهره "إعدام اجتماعي" نُفّذ بيد الضحية اضطراراً نتيجة غياب البيئة الآمنة، وهو ما يتكرر في فواجع "الابتزاز الإلكتروني" التي تسوق الفتيات نحو العدم هرباً من "الوصمة" في مجتمعٍ يتحول فيه الأهل من حماة إلى جلادين. ومن ثم، فإن فقدان المعنى في ظل صراع البقاء اليومي يحول الحياة إلى مجهود قاتل بلا أي أمل، حيث يرى الفرد المغترب نفسه إنساناً قبيحاً يعامله العالم بعداء، فيغدو الانتحار هو الشكل الوحيد المتاح للاحتجاج الوجودي الصارخ.
"الموت في بث مباشر".. لماذا؟
يمثل تحوّل الانتحار إلى فعلٍ علنيٍ عبر "البث المباشر" انعطافة فلسفية كبرى، حيث ينتقل الفعل من الحيز الخاص المتواري إلى الفضاء العام الاحتجاجي؛ فالمنتحر "لايف" يأبى أن يموت ضحية صامتة، وإنما يختار المنصة الرقمية لضمان "استرداد الحضور" في لحظة الغياب الأنطولوجي النهائية، كما يحوّل الانتحار هنا إلى وضع "موت برسالة، ومن أجل رسالة"، حيث يسعى المنتحر إلى لفت انتباه العالم إلى ظلم فادح نخر في عظام حياته، ظلم مبني على أسس سياسية وقانونية ومجتمعية، محولاً جسده إلى "خطاب سيادي" يهدف إلى إحراج المنظومات وفضح عورات تقصيرها.
ففي مأساة بسنت سليمان، كان البث المباشر بمثابة "محاكمة علنية" للوجود، أرادت من خلالها إيصال صدى معاناتها لكي تترك وصمة على ضمير المجتمع لا تُمحى بمرور الزمن، وهو تعبيرٌ عن يأس مطلق من نيل العدالة في الحياة، ليتم البحث عنها عبر الموت الاستعراضي. وإضافة إلى ذلك، يمكن فهم هذا التحول عبر مفهوم "غي ديبور" حول "مجتمع الاستعراض"، حيث تُسلب القيمة من الحدث ما لم يتم تَسليعه وصياغته كصورة؛ فالمنتحر يوظف "اللايف" كمحاولة أخيرة للتواصل الإنساني في عالم رقمي شديد البرودة، توهماً منه بأن الموت العلني هو السبيل الأوحد لكسر الحاجز الزجاجي الذي يفصله عن الآخرين.
في مصر، وجُغرافيات أُخرى، يتأمل المواطن عبر انتحاره "التعاطف المتأخر"، فالجسد في هذه اللحظة العبثية يتحول إلى مسرحٍ للاحتجاج السياسي والاجتماعي والذاتي، وصرخة استغاثة ضد تبلد المشاعر المجتمعية، مما يجعل من الانتحار العلني فعلاً إيثارياً في مخيلة صاحبه، يرمي من خلاله إلى فضح بنيويّات الظلم، لعل يقي بذلك الآخرين من مصير مشابه، مثلما كان في حالة بوعزيزي التي أشعلت الثورة التونسية وثورات الربيع العربي كلّه، إلّا أنه، ولاختلاف السياقات الحالية عن السياقات الماضية، لم يعد فعل الانتحار العلني يؤثر في الآخرين سوى من خلال تفاعلات لحظية تنتهي بمجرد بدء حدث (ترند آخر)، وحتى إن كان انتحاراً مشابهاً، لأن استقبال الناس للحدث أصبح اعتيادياً ولم يعد فارقاً مثلما كان منذ سنوات، ما يعني أن الناس، هؤلاء المتفرجون، قد فقدوا المعنى في قيمة الحياة ذاتها، وهم في حالة من العجز واليأس والقهر الوجودي الذي يجعلهم يتفرجون، متأثرين، لكنهم غير ساعين لتغيير أي شيء من حولهم.
في نهاية المطاف، يتكشف لنا أن تزايد الانتحار في مصر يتجاوز كونه إحصاءاتٍ باردة، ليكون مرآة تعكس هزيمة الإنسان أمام تغول البنية القاهرة؛ وتحديداً في مدينة القاهرة، فكل فعل انتحار هو إعلان صريح عن فشل العقد الاجتماعي وسقوط منظومات الحماية القانونية والأخلاقية. إن الموت في بث مباشر أو السقوط من شاهق هو الكلمة الأخيرة التي يلقيها المقهورون في وجه مجتمع توحشت وشائجه، وسلطة صادرت آفاق مستقبله.
لذا، فإن مجابهة هذه الظاهرة لا تبدأ من الفتاوى الوعظية أو التسكين الأمني الضيق، وإنما تنطلق من ضرورة استعادة المعنى للوجود الإنساني، وتفكيك بنية القهر والذكورة السامة، وضمان العدالة التي تجعل من الحياة خياراً يستحق المكابدة. إن الجسد المنتحر يظل الشاهد الأخير على أن الوطن الذي لا يمنح أبناءه أسباباً للبقاء، يدفعهم، قسراً، نحو احتضان العدم كشكل نهائي للهروب، و الكرامة، مما يجعل من التصدي لهذا الانهيار معركة وجودية كبرى من أجل استرداد الحق في حياة تليق بالبشر قبل أن يبتلعنا صمت الفجيعة الكلي.




