بدا جزء كبير من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب كأنه "ماراتون" مع شركائه الأوروبيين، فيه خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء وفي ميادين مختلفة. ومنذ 20 كانون الثاني/ يناير 2025، تاريخ بدء هذه الولاية، حتى اليوم؛ لم يتوانَ ترامب عن تسليط الضوء على الإخفاقات الأوروبية في مجالات الدفاع والأمن وفي التكنولوجيا وصولاً إلى التشهير بسياستهم الديمغرافية واستقبال المهاجرين وتجنيس قسم كبير منهم، وكان للموقف من الحرب في أوكرانيا، النصيب الأوفر في مشهدية عرض التباينات، فأوروبا لا تقبل بحلّ المُعضِلة بتسوية بين موسكو وواشنطن من دونها، كما شكَّلت قضية طلب ترامب ضمّ جزيرة غرينلاند الدانماركية العملاقة إلى السيادة الأميركية، مفصلاً هاماً في حلقة الخلاف، وساعدت الحرب التي شنَّها ترامب على ايران منذ 28 شباط/ فبراير، في تفاقُم التوتر بين الحليفين.
كان واضحاً أن الرئيس ترامب يريد إعادة تدوير خريطة التحالفات الدولية، والاستثمار في الخلاف الروسي – الأوروبي لتعزيز مكانته العالمية، ولدفع الحلفاء في القارة "المُترهلة" كما يسميها؛ إلى مزيد من التبعية، وكبح جماح منافستهم للولايات المتحدة في مجالات مختلفة، ومنها حضورهم الوازن في الشرق الأوسط. وهو يعتبر أن واشنطن توفِّر بيئة آمنة للفضاء الأوروبي للحفاظ على دور دول القارة المتقدّم، من خلال حلف "الناتو" الذي يحميهم، وتتحمَّل الولايات المتحدة وَزرَة الأعباء الكبرى فيه.
قد تكون المرَّة الأولى في تاريخ حلف "الناتو" الذي تأسس قبل ما يزيد عن 80 عاماً؛ التي تصل فيها الخلافات بين الشريك الأميركي الوازن والأفرقاء الأوروبيون إلى هذا الحدّ. والرئيس ترامب توعّد بالاقتصاص من حلفائه من جراء امتناعهم عن مساعدته في حربه ضد ايران، وقد هدّد بالانسحاب من الحلف. في المقابل، فإن شركاءه على الضفة الشرقية للأطلسي؛ لم يكتفوا بالامتناع عن المساعدة، بل وصل الأمر ببعضهم إلى حد رفض مرور الطائرات العسكرية الأميركية التي تقصد ساحات الحرب فوق أجوائهم، ومنع استقبال هذه الطائرات في مطاراتهم، وكانت مواقف ترامب المُنتقدة للحلفاء سبباً رئيسياً لاجتماع هؤلاء على رأيٍ واحد، وعزَّزوا التعاون فيما بينهم، وصولاً إلى حد إعلان خطة حماية استراتيجية ونووية للفضاء الأوروبي من دون الإعتماد على القوة الأميركية، وكان لشراكة بريطانيا في هذا الموقف دلالة كبيرة، كونها من أبرز حلفاء واشنطن، ولم يسبق أن تعارضت معها كما هو عليه الحال اليوم.
مُبررات الحلفاء الأوروبيين في موقفهم غير المتعاون مع المقاربات الانفلاشية الترامبية؛ هو عدم التنسيق معهم قبل إعلان الحرب على إيران، وهم يشعرون بأن مكانتِهِم الدولية – وبينهم عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي هما فرنسا وبريطانيا – تفرض على الرئيس ترامب أخذ رأيهم قبل طلب المساعدة. ومن المؤكد أن هناك أسباباً غير مُعلنة من الامتعاض تزيد عما هو مُعلن، وقد يكون أهمها محاولة ترامب ترتيب صفقة تسوية للنزاع في أوكرانيا من دونهم، وكذلك إلغاء دورهم التاريخي في الشرق الأوسط، وتهميش مصالحهم الاستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية التي تجاور القارة من الجنوب ومن الجنوب الشرقي، وهي مصدر هام للإمدادات النفطية ومشتقاتها، وضرب مكانة أوروبا في الشرق الأوسط ليست تفصيلاً في الحياة الدولية، فمنذ القِدَم حتى اليوم؛ يُعتبر مَن يُسيطر على الشرق الأوسط كأنه يملك مفاتيح اللعبة الدولية بغالبيتها، والأوروبيون يعرفون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم.
لا يمكن التأكيد بشكل قاطع بأن الخلاف الأميركي-الأوروبي قد يتفاقم بوتيرة عالية، واحتمالية عودة التفاهُم ما زالت قائمة، على اعتبار أن رياح العلاقات الأميركية مع روسيا والصين قد لا تجري بما تشتهي سُفن البلدين الكبيرين، خصوصاً فيما لو أصرّ الرئيس ترامب على تجاوز النظام الدولي العام، والاستمرار في انتهاك سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وإنشاء تسويات نفعية تخرق مُندرجات المعاهدات التي تضبط إيقاع العبور في الممرات البحرية، ومنها مضيق هرمز، وروسيا والصين متمسكتان بالقانون الدولي كمرجعية لا بد منها لحلّ المنازعات. لكن المعطيات المتوافرة حتى الآن تشير إلى أن التبايُن بين الحلفاء على ضفتي الأطلسي قد يزداد، وربما تدفعه المشاحنات ليصل إلى حد تنفيذ التهديد الأميركي بالانسحاب من حلف "الناتو".
لدى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أوراق متعددة يمكن استخدامها في هذا الخلاف، وقد لا تكون في صالح واشنطن، ومنها تحديداً وقف تنفيذ عقود التسلُّح التي تطلبها الجيوش الأوروبية من المصانع الحربية الأميركية، وهي بقيمة تتجاوز الـ300 مليار دولار سنوياً، وهذه الجيوش بكاملها تقريباً، تعتمد على السلاح الأميركي بغالبية تجهيزاتها الدفاعية، ما عدا فرنسا التي ترفض إدخال أي سلاح أجنبي إلى البلاد في مقاربة قديمة تتمسّك فيها حتى الآن، وجيوشها تعتمد على الصناعة الفرنسية دون غيرها. وإذا ما حُرِمت الصناعة العسكرية الأميركية من الطلبيات الأوروبية، ستصاب بهزّة مالية كبيرة، وترامب يعرف هذه الحقيقة، وهو يراعي جانب مصالح الشركات الأميركية، وقد يكون كلامه عن الخروج من حلف "الناتو" على سبيل التهديد ليس إلاّ، خصوصاً لكون الكثير من المعطيات الراهنة ليست في صالحه.




