دمج إيران في النظام الدولي القائم

أنس وهيب الكرديالسبت 2026/04/18
Image-1776458880
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

الآن أو أبداً، على المسؤولين الإيرانيين الإجابة عن هذا السؤال الذي أرّق المنطقة: هل يمكن أن تتحول إيران إلى دولة طبيعية في الشرق الأوسط، وأن تندمج في النظامين الإقليمي والدولي؟ هل يمكن أن يقبلوا تصفية الإرث الإمبراطوري للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي، والذي بناه الجنرال قاسم سليماني بصبر وطول أناة؟

لا شك أن بقاء بلادهم خارج المنظومتين الإقليمية والدولية، وفرّ للإيرانيين مزايا هائلة؛ فبناء منظومة نفوذ إقليمي قائمة على الوكلاء والأذرع، كان ليكون مستحيلاً لولا ذلك. كما أن الهالة التي أسبغها قادة إيران على أنفسهم، بوصفهم طليعة مقارعة "الاستكبار العالمي" وإسرائيل، والمدافعين الشرسين عن "المحرومين"، سمت بمكانة طهران الإقليمية وسمعتها في أوساط الرأيين العربي والإسلامي، وأقسام معتبرة من الرأي العام على الصعيد الدولي. سهّلت تلك السمعة، مهمة "فيلق القدس" (وهو لهذه المناسبة، مجرد جهاز أمني لا يختلف من حيث المهام ووسائل العمل، عن أي جهاز أمن آخر، بما فيه وكالة المخابرات الأميركية "سي آي إي" أو جهاز المخابرات التركية) في اختراق المجتمعات الإسلامية، تحديداً في بلدان الهلال الخصيب، وتجنيد العملاء، في حرب استخباراتية سرية استهدفت إضعاف منافسي إيران الإقليميين: باكستان، السعودية، مصر وتركيا.

 

إرث سليماني

تم تغليف أساليب سليماني الأمنية، السرية والحثيثة، بخطاب إيديولوجي يعادي الاستكبار والصهيونية، وينشد مؤزرة المحرومين، علماً أنه لم يكن يسعى سوى لخدمة مصالح إيران، وإخضاع ما يعتبره الفرس مجالهم التاريخي الحيوي. تحت أنظار المرشد الأعلى، مدّ سليماني هذه الاستراتيجية إلى أقصى توسع لها، لتتجاوز العراق، سوريا، لبنان، دول الخليج العربي واليمن، إلى أفغانستان، باكستان، أفريقيا وبعض الأنحاء من شرق آسيا. لم يتسبب هذا التمدد، بإرهاق البنية الوطنية في تلك البلدان فقط، بل أرهق التشكيلات والتكوينات العصبية، التي استثمر فيها المشروع الإيراني.

لم تتوسع إيران توسعاً إمبريالياً يفوق قدراتها الوطنية، فحسب، بل هي أجبرت وكلائها وأذرعها على تحمل أعباء تفوق طاقتهم على احتمالها. هكذا، كان على حركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة والضفة الغربية، أن تحتويا العدوانية الإسرائيلية، بينما على الفصائل العراقية الولائية مشاغلة القوات الأميركية واستهدافها عند الحاجة الإيرانية، والانتشار في الجبهات السورية لإسناد نظام الأسد، أما حركة "أنصار الله" (الحوثيين) فعليها التمدد في اليمن وتهديد السعوديين والخليجيين عموماً، وإقلاق راحتهم، فضلاً عن مهمة التأثير على الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، ولاحقاً المشاركة في حرب "طوفان الأقصى". تم تكليف حزب الله، بمهام واسعة، من إدارة الشؤون اللبنانية والإشراف على عمليات التمدد الإيراني وتدريب الوكلاء في الساحات الجديدة وتنظيم تجارة المحور العابرة للقارات (الخليج – الهلال الخصيب – أفريقيا – أميركا اللاتينية)، وتشغيل جبهة جنوب لبنان ضد إسرائيل وتطوير قدرات تمكّنه من شن هجوم على منطقة الجليل شمال فلسطين المحتلة، إلى قيادة المليشيات المدعومة إيرانياً في سوريا، وتشكيل أربع جبهات هناك: الأولى، ضد الأتراك في حلب، والثانية ضد الأميركيين في البوكمال بريف دير الزور ومعدان في محافظة الرقة، والثالثة، ضد الأردن ودول الخليج، والرابعة ضد إسرائيل في محافظتي درعا والقنيطرة.

 

الفوضى.. كمنجم للفرص

أثمرت أوهام القوة الإيرانية عن نتيجة واحدة: تمدد الحروب الأهلية أينما حلّ ضباط "فيلق القدس". لا يمكن للمرء أن يلوم الإيرانيين على ضعف الروابط الوطنية في الدول العربية وتفككها، أو على جهود إسرائيل وبعض الدول الكبرى الرامية إلى تعقيد الأمور داخل البلدان العربية. مع ذلك، لم تكن كثير من الأزمات والحروب الأهلية التي شهدها العالم العربي، ابتداءاً من لبنان إلى العراق فسوريا واليمن، لتطول لسنوات مخلفةً دماراً عميماً، لولا مخطط سليماني لاستثمار الفوضى وتحويلها إلى منجم فرص، عبر بناء هياكل وروافع وإحداث تغييرات ديمغرافية، تعزز هيمنة طهران على المنطقة وتحكمها بمواقعها الجيوسياسية.

كشف أداء إيران في الحرب الأخيرة، عقلية المسؤولين الإيرانيين الذين لا يتورعون عن أي شيء من أجل حماية مصالحهم على حساب دمار وكلائها وبلدانهم. لأجل ذلك، تهيبت جماعة "أنصار الله" المشاركة في الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل بزخم مماثل لمشاركتها في حرب "طوفان الأقصى"، وإن حافظ قادتها على خطاب "وحدة الساحات" و"أبدية المحور". بينما أتت مشاركة حزب الله في الحرب على مضض، وجاءت خجولة في بداياتها. وفي العراق، استنكفت عدة فصائل محسوبة على إيران عن المشاركة في الحرب، وفعلياً انحصرت مشاركة الفصائل العراقية الولائية بضرب متقطع لأهداف أميركية، كردية، خليجية، أردنية، سورية بل وعراقية حتى، لكنها لم تتجرأ على استهداف إسرائيل كما فعلت في حرب "طوفان الأقصى".

 

وحدة الساحات مقابل فصل المسارات

وإن كان من نتيجة مؤكدة لإصرار إيران على الهيمنة واستراتيجية "وحدة الساحات"، فهو نشوء تنسيق بين القوى الإقليمية المعارضة للهيمنة الإيرانية، والتي فعّلت استراتيجية ملء الفراغ الإيراني وفصل المسارات. وإن كانت إيران قد استفادت من معارضة الدول الإقليمية لشبح الهيمنة الإسرائيلية، فلربما عليها أن تدرك أن تلك القوى تعارض هيمنتها بنفس الشدة وأكثر، وأن تلك الدول متضررة من استراتيجيات إيران في الوقت الحالي بشكل يفوق مخاوفها من الهيمنة الإسرائيلية التي يعمل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على تحقيقها؛ فالقادة الباكستانيون لا يحبذون امتلاك إيران للسلاح النووي أو تلاعبها بشيعة باكستان لتشكيل عصابة مسلحة في أوساطها (لواء "زينبيون"). كذلك الحال مع السعودية، التي ذاقت القصف الإيراني على أراضيها ومصالحها الحيوية خلال الحرب (وقبلها)، وعانت من المشكلة الحوثية التي خلقها سليماني، وشهدت الدمار الذي خلّفه في سوريا والعراق، بقصد تحطيم مكانة الرياض الجيوسياسية في المنطقة. أما تركيا، فقد فخخت إيران أراضيها بـِ "حزب العمال الكردستاني"، وحشدت المليشيات الشيعية في المنطقة لمحاربة سياساتها الإقليمية لأكثر من عقدين.

مع خسارة إيران لسوريا، ومدخلها إلى القضية الفلسطينية، وتعرضها لهجوم أميركي إسرائيلي عنيف دمر قسم لا بأس به من قدارتها العسكرية وقضى على قيادتها التاريخية مزعزعاً ما تبقى من قيادات عسكرية، أصبح الاستمرار في نهج خامنئي وسليماني القديم مسألة محل بحث داخل الدوائر الإيرانية المتنفذة. لكن الاندماج في النظام الدولي بعد الحرب الأميركية، قد يراه البعض في طهران هزيمة للثورة الإيرانية، خصوصاً أن تلك الثورة لم تنجح في تحقيق أي من أهدافها، سواء إنهاء الوجود الأميركي في المنطقة، أو قلب أنظمة الحكم في الخليج العربي، أو صنع القنبلة النووية وتسلّم قيادة العالم الإسلامي. لقد أفلتت هذه الأهداف من يد طهران بعد طول سعي لتحقيقها. وحتى الحلم الذي داعب القوميين الفرس، لسنوات، بإحياء امبراطوريتهم القديمة الممتدة من أواسط أفغانستان إلى البحر الأبيض المتوسط، لم يدم إلا سنوات قليلة قبل أن ينهار. والمفارقة أن واشنطن هي من سهل تحقيق هذا "الكابوس".

 

قواعد وستفاليا

على أية حال، سواء أحب القادة الإيرانيون دخول النظام الدولي ولعب اللعبة الإقليمية وفقاً لقواعد معاهدة وستفاليا للعام 1648، أم فضلوا المحافظة على أساليبهم السابقة، فالأرجح ألا يغفلوا عن تراجع قدراتهم وقدرات وكلائهم، وأن يخشوا مبادرة القوى المنافسة إلى استغلال ضعفهم، من أجل إدخال بلادهم أو وكلائهم، فيما كانوا سابقاً يذيقونه الآخرين من نشر للفوضى واستثمارها لبناء هياكل نفوذ على حساب الدولة الوطنية. وسيفهم القادة الإيرانيون قريباً أن حرص الدول الإقليمية على بقاء إيران كعامل إقليمي، لم يكن خوفاً، بل حرصاً على موازين القوى الإقليمية ومنعاً من نشوء فراغ إقليمي أكبر يؤدي إلى هيمنة إسرائيلية على الشرق الأوسط.

ومع أنَّ الإشارات الواردة لا تساعد على تحديد الوجهة النهائية للقادة الإيرانية، إلا أن تفكير بعض المخضرمين في طهران بعقد هدنة إقليمية مع تل أبيب يشي بحدوث تحول داخل النخبة الإيرانية، وإن كانوا يريدون للهدنة أن تفسح المجال أمام إسرائيل لخوض غمار صراع نشط مع تركيا والسعودية وربما باكستان، على أن يتلاعبوا هم بأطرافه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث