ترسَّخ في الحربين الأميركية والإسرائيلية على إيران، الاعتقاد بضرورة امتلاك الدول الضعيفة الردع بأي طريقة كانت، وإلا فإن مصيرها سيكون الزوال في ليلة من الليالي التي يقرر فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو من سيخلفه من الرؤساء الأميركيين، ذلك.
عصر القوة يعود من جديد، متسلحاً بالذكاء الاصطناعي الذي أحرز تقدماً هائلاً، فلا مكان لدولة فيه إلا إذا امتلكت الردع النووي، أو غيره من أشكال الردع، ومنها دخولها عتبةً متطورةً جداً من عتبات الذكاء الاصطناعي المقابل. ولا يمكن لدولة عربية أو من دول شرقنا، سواء إيران أو تركيا أو حتى باكستان، أن تصبح على هذه القدر وحدها. وإذ دخلت عواصم الدول الخليجية وبيروت تجربة الرعب مع توجيه إيران والكيان الإسرائيلي صواريخهم وقنابلهم إلى هذه المدن الدُّرر، بات شكلٌ جديد من التحالفات الحقيقية، هو المؤسس لعامل ردعٍ لا تقدر عليه دولة وحيدة، من تلك التي باتت تحت التهديد، أو تنتظر دورها على لائحة ترامب لتغيير الأنظمة.
لقد أثبتت الغارة التي نفَّذها سلاح الجو الإسرائيلي على قطر، في 9 أيلول/سبتمبر الماضي، أن هنالك حاجة ماسة لقطر ودول الخليج العربي للبحث في شكل من الردع، ربما لا يتوفر في هذه الفترة إلا عبر التحالفات مع القوى الصديقة. ولم تكن الغارة وحدها هي ما أثبتت هذا الأمر، بل التهديدات التي أطلقها بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يومها، وأكدا فيها علناً عشية الغارة، أنه حتى تلك الدول العربية التي تقيم علاقات طبيعية مع كيانه هي موضع تهديدهم أيضاً. وفي إثر هذه الضربة، صنفت الدورة الاستثنائية لمجلس الدفاع المشترك التابع لمجلس التعاون الخليجي التي عقدت في قطر، في 18 أيلول/سبتمبر الماضي، الاعتداء تهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها، وهو تهديد مستجد لم تكن تتخيل أن يحل يوماً بسبب البعد الجغرافي، وغيره من العوامل. كما سارعت دول الخليج العربي إلى البحث عن أشكال من الردع عبر تعزيز التنسيق في المجال الدفاعي مع دول أخرى، ومنها تعزيز التعاون الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وباكستان، هذا التعاون الذي يعود لسنوات بعيدة. مع العلم أن باكستان ذاتها، هي موضع تهديد ومؤامرات إسرائيلية وهندية وأميركية دائمة لتقويض برنامجها النووي.
فوجئت دول الخليج العربي بأنها على قائمة الاستهداف الإيرانية، منذ اليوم الأول الذي شنت فيه الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي حربهما على إيران، في 28 شباط/فبراير الماضي. وقد نالت من الغارات بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، أضعاف ما نالته إسرائيل، على الرغم من أنها لم تكن طرفاً في الحرب. وبينما طالت تلك الصواريخ المواقع المدنية والعسكرية على السواء، لم تتوانَ إيران عن إطلاق تهديدات باستهداف معامل تحلية المياه التي تعد شريان حياة هذه الدول، وهو ما أفقد ثقة هذه الدول بإيران، على الرغم من وجود علاقات جيدة معها واتفاقات ثنائية بينها وبين دول الخليج. ويُبيِّن هذا الأمر أن دول الخليج العربي، وكثير من الدول العربية مستهدفة من أجل منعها من النمو، ومن تعزيز قدراتها أو البروز فاعلاً على الساحة الدولية.
وإذا عجزنا عن تفسير هذا الموقف الإيراني من دول الخليج، وهي التي سعت قبل الحرب مع ترامب من أجل تغليب الحلول الدبلوماسية، ونجحت في عقد المفاوضات بين الطرفين في مسقط، فإن الاستغراب ينطبق على حال العداء التي طالت تركيا بسبب سعيها لتجنيب إيران والمنطقة هذه الحرب. وبسبب موقفها هذا، اتهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه يساند إيران. غير أن هذا الاتهام، يخفي الموقف الحقيقي الذي يدفع نتنياهو إلى عداء تركيا، وهو أن الإسرائيليين لا يريدون أن تقوم قائمة لدولة في هذا الشرق، فما بالك في دولٍ تتطور باطراد لتصبح قوىً إقليمية يُعتدُّ بها، ومنها تركيا وباكستان، وإيران بطبيعة الحال.
أثبتت الحربين على إيران، والتهديدات الأميركية بإزالتها من الوجود وليس تغيير نظامها فحسب، وكذلك التهديدات الإسرائيلية لدول الخليج واستهداف إيران لها، وكذلك التهديدات التي طالت تركيا، ومشروع ترامب لتغيير الأنظمة، أن الصراع في عالمنا تصاعد في السنوات الأخيرة وبات صراع وجودٍ. ولن تنجو من هذا الصراع سوى الدول التي تتسلح بعوامل القوة، ومن هذه العوامل التحالف بين الدول المستهدفة. فهل تسعى الدول المهددة في شرقنا إلى تكوين تحالفات كهذه؟
صحيحٌ أن كلاماً كثيراً قيل عن تحالفات وعن تشكيل جيش عربي، أو تشكيل ناتو عربي يضم الولايات المتحدة والدول العربية، بل طرحت فكرة ناتو عربي يضم الولايات المتحدة والدول العربية ودولة الاحتلال، إلا أنها جميعها بقيت على الورق، خصوصاً الأخير الذي لم تستسِغه الدول العربية. من هنا تبرز الضرورة لتحالف يضم الدول العربية وتركيا وباكستان، وذلك بعد بروز الدور الباكستاني الفاعل في وقف إطلاق النار بين واشنطن وإيران، وفي جمع المفاوضين الأميركيين والإيرانيين على أرضها، ربما انطلاقاً من حرصها على أمن الدول العربية. كذلك بعد النشاط الذي تمثل في خلية العمل التي ضمت وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا، والذي تمحور حول البحث في سبل إيجاد حل لوقف الحرب. ثم وصول قوة عسكرية باكستانية، قبل أيام، إلى إحدى القواعد العسكرية السعودية، في ظل الكلام عن استعداد باكستان للدفاع عن المملكة إذا ما تعرضت مرة أخرى لاعتداء إيراني. وأظهرَ هذا الدور ما باتت عليه باكستان من قوةٍ وقدرةٍ دبلوماسية وحضورٍ دولي، فإمكانية الاستفادة من هذا الدور، بل وتكريسه في حل النزاعات في منطقتنا ومناطق أخرى في العالم هو فرصة وضرورة.
وإذا كان محورٌ من هذا القبيل يعد مستحيلاً من الناحية النظرية، فإن الضرورة الأمنية والسياسية، وما استجد في المنطقة بعد الحربين على إيران، وبروز إيران كعامل تهديد حقيقي للدول العربية، ستجعله ممكناً. ويمكن لمحور كهذا أن يتكامل، مع قدرة العرب على الاستثمار في بحوث تطوير القدرات الدفاعية والعلمية في مجال الحروب الحديثة المتقدم في باكستان وتركيا، وكذلك في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يتطلب استثمارات ضخمة. تكاملٌ ضروريٌّ ليتمكن من الدفاع عن هذه الدول التي ربما وضعها الرئيس ترامب، على قائمته المخصصة لضرب الدول التي لا تعجبه، أو الدول التي يريد "أخذها" كما اعتاد أن يردد على الدوام، ضمن مشروعٍ يبدو أنه بدأ التدريبات على تنفيذه من فنزويلا.




