ليس من قبيل المبالغة القول إنَّ الأزمة السياسية التي يعيشها العراق وتأثيرات الحرب المتصاعدة التي تجري على مرمى حجر من حدوده بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة اُخرى، كانت سبباً رئيسياً وضاغطاً في الخروج من عنق الزجاجة المتمثل بأزمة انتخاب رئيس للجمهورية.
فمنذ اندلاع الحرب ضد إيران، أدركت العديد من القوى السياسية العراقية خطورة هذه الحرب على الوضع الداخلي، وأدركت أيضاً التداعيات الداخلية المحتملة التي يمكن أن تتسبب بها هذه الحرب نتيجة إبقاء الوضع العراقي على حاله، والمتمثل بوجود فراغ في السلطة سببه عدم التمكن من انتخاب الرئاسات الثلاثة وتشكيل حكومة جديدة، على الرغم من التجاوز الكبير على المدد الدستورية ومرور ما يقارب النصف عام على إجراء الانتخابات التشريعية.
وإذا كانت هذه القوى قد نجحت في انتخاب نزار آميدي رئيس للجمهورية بعد مرحلة طويلة من الشد والجذب، فإن المشكلة الأعقد تبقى قائمة وهي تسمية المرشح لمنصب رئيس الوزراء.
واذا كانت هناك قوى سياسية قد راهنت على الحرب وسعت متعمدة إلى تأخير انتخاب الرئيس بحجة ضرورة معرفة ما ستؤول إليه نتائج الحرب، فإنَّ هذه المراهنة ستبقى قائمة مع تسمية المرشح لمنصب رئيس الوزراء، خصوصاً وأن المنصب يُعتبر من نصيب المكون الشيعي الذي يتمع بعلاقات وثيقة مع إيران، والذي لم تتفق قواه السياسية حتى الآن على مرشح واحد للمنصب.
لم يعد جديداً القول إن الوضع الداخلي العراقي ومنذ اندلاع الحرب ضد إيران، يعيش وضعاً متأزماً وقلقاً. فقد نجحت فصائل عراقية مسلحة مقربة من إيران بجرّ العراق إلى هذه الحرب بعيداً عن رغبة الحكومة الحالية والعديد من قواه السياسية. وتمكنت هذه الفصائل من تنفيذ العديد من الهجمات المسلحة التي طالت، كما تتدعي، مصالح أميركية داخل العراق واُخرى في دول عربية مجاورة. وهو ما تسبب بإحراج كبير للحكومة، وهي التي لم تعد تمتلك الكثير من صلاحياتها بعد أن تحولت إلى حكومة تصريف أعمال، منذ إجراء الإنتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
ومع محاولة قوى سياسية شيعية إطالة عملية انتخاب رئيس الوزراء لمعرفة نتائج الحرب، فإن قوى اًخرى ترى العكس تماماً وتعتقد أن الحرب وما خلّفته من وضع داخلي داخلي متأزم، باتت تستدعي عملاً سريعا لتشكيل الحكومة لمواجهة استحقاقات الوضع الراهن.
ماذا بعد انتخاب الرئيس؟
شكلَ الانقسام الكردي نقطة بارزة في عملية انتخاب الرئيس. ولأول مرة تجري هذه العملية بدون موافقة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود بارزاني، والذي يتمتع بعلاقات قوية مع أميركا. طالب الحزب بأن يكون المنصب هذه المرة من حصته بعيداً عن الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه بافل الطالباني والذي يتمتع بعلاقة قوية مع إيران، والذي احتكر المنصب لأكثر من عقدين من الزمن.
وبسبب طبيعة العلاقات الخارجية التي يتمتع بها كل حزب، فإن الخشية هو أن لا تحظى شخصية الرئيس بموافقة أميركا، خصوصاً في هذه المرحلة، وهو تطور يتفق كثيرون أنه لن يكون من مصلحة العراق.
عبّر الحزب الديمقراطي عن انزعاجه مما حصل، خصوصاً الآلية التي تمت فيها عملية التصويت تحت قبة البرلمان والتي اعتبرها انتهاك للقانون. وفي تصعيد واضح، أعلن المكتب السياسي للحزب في بيانٍ له، أنه لن يتعامل مع الرئيس المنتخب "لأنه لا يمثل الأغلبية الكردستانية".
وحتى اللحظة، لم تعلن الادارة الأميركية موقفاً واضحاً من الرئيس المنتخب والذي يعتقد البعض أن ما يتمتع به من براغماتية قد تجعله مقبولاً من قبل الإدارة الأميركية.
ومع هذه الاحتمالات، سيكون الجميع في موقف صعب لو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى تحفظاً إزاء ما جرى، خصوصاً وإنه كان قد أعلن في وقت سابق، تحفظه على ترشيح رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء من قبل الإطار التنسيقي. وتسبب تحفظ ترامب آنذاك باحداث إرباك كبير داخل الإطار التنسيقي، بعد تراجع أغلب قواه السياسية عن هذا الترشيح.
السيناريو الآتي
يراقب الجميع الآن الموقف الاخير الذي سيتخذه الحزب الديمقراطي الكردستاني إزاء انتخاب رئيس للجمهورية، وهو الذي يتمتع بعلاقة قوية مع الإدارة الأميركية تفوق في كثير من تفاصيلها علاقة بغداد بواشنطن.
ولجوء الحزب إلى تعليق مشاركته بالحكومة المقبلة، سيكون مشكلة كبيرة للعملية السياسية برمتها، وهي التي لا تزال تعاني كثيراً من مقاطعة التيار الصدري منذ الدورة الماضية.
ولا يختلف اثنان على حساسية المرحلة التي يمر بها العراق نتيجة الحرب التي تجري في المنطقة. فالعراق سيكون على موعد مع تحديات كبيرة سيتعين عليه مواجهتها بعد انتهاء الحرب وما قد تحمله من تغيير كبير للمشهد ولموازين القوى. وهي تغيرات قد لا يقوى على مواجهة استحقاقاتها ليس سياسياً فحسب بل أمنياً واقتصادياً أيضاً.
وفي الحديث عن هذه التداعيات تبرز حقيقة يدركها الجميع هنا في العراق، وهي ضرورة الحفاظ على علاقات متزنة مع الإدارة الأميركية، وأيضاً مع الجار الإيراني، الذي لا يزال حتى اللحظة فاعلاً كبيراً في المشهد السياسي العراقي. وإذا كان هناك من يراهن على احتمالية تراجع الدور الإيراني مستقبلاً في العراق كنتيجة محتملة للحرب، فإن الرهان الأقوى هو ضرورة أن تكون السلطة الحاكمة في العراق في المراحل المقبلة، على توافق كبير مع الإدارة الأميركية لتجنب أي اهتزازات غير متوقعة لاحتمالة تراجع العلاقة بين البلدين، خصوصاً بوجود إدراة أميركية باتت مصممة أكثر من أي وقت مضى على الحفاظ على مكتسباتها في المنطقة، وبالذات داخل العراق.




