يشارك الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال "منتدى أنطاليا" الدبلوماسي في تركيا، وذلك بين 17 و19 نيسان/أبريل، حسب ما أعلن الموقع الرسمي للفعالية التي تنظمها وزارة الخارجية التركية سنوياً، ويحمل المنتدى هذا العام شعار "التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل".
وسبق للرئيس الشرع أن حلّ ضيفاً على المنتدى لأول مرة العام الفائت، حيث عقد لقاءات سياسية مع قادة ومسؤولي المجتمع الدولي، من بينهم رئيس الدولة المضيفة رجب طيب أردوغان وجرى التركيز حينها على سوريا ما بعد الأسد، إلا أن ظروف المنتدى هذا العام تأتي في ظل تحولات سياسية تشهدها المنطقة، واندلاع شرارة حرب إقليمية، ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن طرق استثنائية لتأمين مصادر الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز، وأبرزها تركيا التي ترى في سوريا شريكاً حقيقياً في أي مشروع اقتصادي أو سياسي.
أبعاد استراتيجية
تأتي أهمية المشاركة السورية في سياق التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، حيث يشكّل المنتدى منصة متعددة الأطراف تجمع طيفاً واسعاً من القادة وصنّاع القرار، بما في ذلك رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية، إلى جانب فاعلين دوليين.
ويشير عضو الوفد السوري إلى أنطاليا، ومدير مركز عمران للدراسات عمار قحف، في حديث لـ"المدن"، إلى أهمية المشاركة السورية في إعادة دمج البلاد ضمن منصات الحوار الدولي، وذلك عبر المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية، إضافة إلى فتح قنوات مباشرة مع صنّاع القرار الدوليين، بما يسمح بنقل صورة أكثر واقعية عن الأولويات السورية، خصوصاً في ملفات الاستقرار وإعادة البناء، فضلاً عن اختبار جدية الشركاء الإقليميين والدوليين في الانتقال من الخطاب السياسي إلى التعاون العملي.
من جانبه، يوضح الباحث السياسي عزيز موسى، في حديث لـ"المدن"، أن الحضور السوري في المنتدى يعكس مؤشرات على انفتاح تدريجي في العلاقات الخارجية، خصوصاً بعد جولة الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا، "إذ يمنح هذا الانفتاح فرصة لدمشق لإعادة تقديم نفسها كشريك محتمل في الملفات الإقليمية والدولية، والانخراط في شبكات التعاون الدولي، في ظل حضور 50 وزير خارجية وعدد كبير من القادة، الأمر الذي يعزز من شرعية الحضور السوري على الساحة الدولية".
أولوية الطاقة
وتمهّد معظم اللقاءات السياسية في المنتديات والمؤتمرات للعديد من اتفاقيات التفاهم والشراكة، سواء بصيغ مبدئية أو تنفيذية، وهو ما توليه تركيا اهتماماً في منتدى أنطاليا، من حيث تحقيق سلسلة من المقاربات مع الدول المحيطة بها.
وفي هذا السياق، يعتقد قحف أن هذه اللقاءات تعكس تحولاً مهماً من المقاربة السياسية البحتة إلى مقاربة اقتصادية-جيوسياسية أوسع تقودها تركيا في محيطها الإقليمي، إذ تعمل أنقرة على إعادة تشكيل موقعها كمركز ربط إقليمي، سواء عبر "كريدورات" الطاقة أو النقل أو التجارة، وبناءً عليه تصبح سوريا موقعاً جغرافياً محورياً لا يمكن تجاوزه في أي تصور مستقبلي للربط بين الخليج وأوروبا.
ويلفت إلى أن هذه المشاريع لن تكون ذات جدوى ما لم تتوفر بيئة مستقرة داخل سوريا، ومؤسسات قادرة على إدارة الشراكات بشكل شفاف وفعّال، وبالتالي فالعلاقة ليست جغرافيا فحسب، بل حوكمة واستقرار أيضاً.
فيما يقول موسى إن تركيا ترى في سوريا نقطة ارتكاز ومنفذاً استراتيجياً سياسياً واقتصادياً نحو المنطقة العربية، والخليج العربي على وجه الخصوص، وبالتالي فإن اللقاءات الجانبية قد تفتح الباب أمام تفاهمات أولية حول الاستثمار أو المساعدات، خصوصاً في ظل الحاجة الملحة لإعادة الإعمار، كما أن استضافة تركيا للمنتدى تضيف بعداً مهماً، إذ يمكن أن تلعب دور الوسيط أو الميسّر في بعض الملفات العالقة بين سوريا وأطراف أخرى، بما يسهم في إعادة صياغة الصورة الذهنية لسوريا في الإعلام الدولي.
بوابة اقتصادية
يسعى منتدى أنطاليا الدبلوماسي، في أهدافه الرئيسية، إلى تشكيل منصة حوارية تجمع نخبة من القادة والسياسيين والمفكرين والدبلوماسيين والأكاديميين ورجال الأعمال، وذلك لمناقشة القضايا الإقليمية والدولية من زاوية استراتيجية.
وينوه عضو الوفد السوري قحف إلى أن المنتدى بحد ذاته ليس منصة لتوقيع الاتفاقيات، إلا أنه يشكّل بيئة تمهيدية مهمة جداً لها، من خلال بناء ثقة الأطراف الدولية، واستكشاف الفرص الاقتصادية، وإطلاق حوارات تقنية قد تتطور لاحقاً إلى تفاهمات رسمية، وعليه يمكن أن يكون المنتدى بالنسبة لسوريا نقطة انطلاق لمسارات تعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والتجارة، خصوصاً إذا تم ربط هذه النقاشات بإصلاحات داخلية تعزز مناخ الاستثمار.
بدوره، يرى موسى أن معظم الدول المشاركة ستستغل الحضور السوري، المتمثل بالشرع، لفتح آفاق التعاون واستثمار موقع سوريا كحلقة وصل بين عدة دول وأقاليم ونقطة عبور، ومن جهة أخرى، تحتاج سوريا إلى توسيع دائرة علاقاتها الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات، إلا أن ذلك يبقى خاضعاً لحجم التسهيلات الاستثمارية المقدمة في البلاد وتوفير الضمانات اللازمة.
ويضم الوفد السوري، إلى جانب الرئيس الشرع، وزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، ومدير الدراسات الاستراتيجية في وزارة الخارجية السورية نجيب الغضبان، والمدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات عمار قحف. ومن المتوقع أن يشارك هذا العام نحو 5 آلاف ضيف من أكثر من 150 دولة، حيث تضم قائمة المشاركين أكثر من 20 رئيس دولة وحكومة، ونحو 15 نائب رئيس دولة ورئيس حكومة، وأكثر من 50 وزيراً.




