يحتار رئيس الحكومة الإسرائيلية المطلوب للجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو، وهو يرى أن معظم الجمهور في إسرائيل الذي وقف خلفه بقوة في حروبه، لا يصدق أحاديثه عن تحقيق النصر فيها. فالجبهات مفتوحة ولا يظهر أفق لإمكانية إغلاقها أو إغلاق أي منها في وقت قريب. والخيبة هنا ليست فقط خيبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي صدّق كلام نتنياهو بأن الحرب ستغير وجه العالم لمصلحة أميركا وإسرائيل وبأثمان بخسة. ويبدو أن فاتورة الحرب تزداد اتساعاً اقتصادياً وعسكرياً ومعنوياً وسياسياً، ويمكن أن تنقلب على إسرائيل بشكل غير محتمل. فالجمهور الأميركي يزداد ابتعاداً عن إسرائيل لاحقاً الجمهور الأوروبي بسرعة، كما أنَّ التطبيع مع الدول العربية، خصوصاً السعودية يزداد ابتعاداً. والأدهى أن سياسة الحروب الدائمة انقلبت على ساحرها على الأقل عند جمهوره، حيث يعجز عن الإقلاع في كل استطلاعات الرأي مع اقتراب انتهاء ولاية حكومته.
ووفق أشد التقديرات السياسية تواضعاً، فإن أهداف إسرائيل من حربها على غزة ولبنان وإيران لم تتحقق بالكامل بالرغم من القتال الطويل والمكلف. وهناك من يحاول تلخيص الصورة بأنها عجز عن فرض رؤية إسرائيل على نظام قوي كالذي في إيران، وعجزها أيضاً عن ذلك على نظام ضعيف كالذي في لبنان، وحتى عجزها في غزة. فوقف أميركا إطلاق النار مع إيران شكّل صدمة لليمين الإسرائيلي، حتى بالرغم من ادعاء نتنياهو بأنه تم بالتنسيق معه. كما أن إعلان نتنياهو بدء مفاوضات مع لبنان بشأن إبرام اتفاق سلام يشبه اتفاق 17 أيار، قوبل بمعارضة شديدة داخل حكومة نتنياهو نفسها، ونظر كثيرون إليه على أنه خنوع لتعليمات أميركية. وفي غزة تراوح الأمور مكانها في ظل استمرار حكم حماس والعجز عن التهجير أو فرض الحكم البديل.
ومن متابعة الموقف الإسرائيلي من هذه الجبهات الثلاث، يتبين، بعد وقف النار مع إيران، مقدار الخيبة الإسرائيلية. فالنظام الإيراني لم يسقط وهو في نظر البعض سيكون أشد ميلاً للانتقام في المستقبل القريب، خصوصاً إن أفلح في تعزيز مكانته كقوة إقليمية في الخليج العربي. كما أن الأمل الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله يتراجع ويتحول إلى مسعى معلن لإنشاء مناطق عازلة أقرب إلى حزام أمني تحت سيطرتها الكاملة.
وعلى الرغم من الحديث عن مفاوضات مع الدولة اللبنانية، فإن الميل الغالب في اليمين الإسرائيلي هو الركون ليس إلى اتفاق سلام وإنما إلى فرض وقائع على الأرض. ونشر الباحثان من مركز الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي، إيريز وينر وغابي سيبوني، مقالة بعنوان "من دون وجود إسرائيلي طويل الأمد، لن يكون هناك سلام في الشمال". وهذا ما تحاول حكومة نتنياهو تكريسه ليس فقط في لبنان وإنما كذلك في سوريا، وعلى قاعدة ومنطق الخط الأصفر في غزة. فنتنياهو الذي تحدث عن إسرائيل الكبرى يتقبّل منطق وزراء اليمين وعلى رأسهم وزيرا الأمن يسرائيل كاتس والمالية بتسلئيل سموتريتش لتوسيع الحدود.
رأي الجمهور الإسرائيلي
أجرى الدكتور نمرود نير، ومعهد أغام، والجامعة العبرية في القدس، استطلاع رأي نُشر في موقع "والا" بشأن الحملة ضد إيران ومحادثات وقف إطلاق النار. وتُظهر النتائج أن 70% من الجمهور الإسرائيلي يعتقد أن وقف إطلاق النار مع إيران يعكس "ميلاً" أميركياً تجاه إيران. إضافةً إلى ذلك، يعتقد 80% أن احتمالية التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة ضئيلة أو مستحيلة، بينما لا يُصدّق 44% على الإطلاق الادعاءات بأن إيران على وشك الانهيار. كما يعتقد ثلثا الجمهور الإسرائيلي أن التقدم المُحرز في الحملة حتى الآن، يُشكّل نجاحاً جزئياً أو فشلاً جزئياً، منهم 38% يعتقدون أنه نجاح جزئي. 10% فقط من الجمهور يعتقدون أن هذا نجاحٌ كبير، مقابل 32% يعتقدون أنه فشل. ويعارض ما يقرب من 70% وقف إطلاق النار/ وهؤلاء يعتقدون أيضاً أن الاتفاق مع إيران سيُعرّض أمن إسرائيل للخطر.
عموماً، تشير المعطيات إلى أن أغلبية الجمهور الإسرائيلي غير راضٍ عن نتائج الحرب مع إيران. ويعتقد معظم المستطلَعين أن إسرائيل والولايات المتحدة لم تنتصرا في الحرب، لكن في الوقت نفسه، تؤيد أغلبية واضحة مواصلة القتال ضد حزب الله حتى تحقيق الأهداف.
أما عن كيف ستؤثر الحرب على أمن إسرائيل على المدى البعيد، فكانت الإجابات مثيرة للاهتمام: ستضعف أمن إسرائيل - 33.7%، لن يكون لها أي تأثير - 24.1%، ستعزز أمن إسرائيل - 42.2%. وعن صلاح نتنياهو لرئاسة الحكومة فكانت في بداية الحرب 40.4%، فيما تقف حاليا عنج 34.2%. وبالمقارنة مثلاً مع منافس نتنياهو الأبرز حالياً، نفتالي بينت، فكانت نسبة تأييده في بداية الحرب 24%، أما اليوم فارتفعت قليلاً إلى 25.8%.
الاقتصاد يدفع الثمن
حسب الخبير الاقتصادي في "معاريف" شلومو ماعوز، فإن ثمن الحرب هو تزايد العجز، والاقتصاد على طريق الركود. ويرى أن وزارة المالية الإسرائيلية ستضطر إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية تتجاوز الميزانية التي تم تضخيمها وإقرارها من قبل الكنيست لتمويل الحرب مع إيران. ويقول: "يكاد الاقتصاد أن يكون متجمداً، وينكمش، بعد أربعين يوماً لزم خلالها العديد من الآباء منازلهم في ظل غياب نظام تعليمي فعّال. تُقدّر وزارة المالية، استناداً إلى دراسة أجراها مكتب كبير الاقتصاديين، أن النمو المتوقع هذا العام سيبلغ 3.5% مقارنةً بـ5.2% في تقديرات ما قبل الحرب. ومعروف أن حكومة نتنياهو أقرت أكبر ميزانية في تاريخ الدولة العبرية بقيمة 699 مليار شيكل ارتفعت فيها ميزانية الدفاع من 65 مليار شيكل عشية 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى 143 مليار شيكل أي ما يزيد عن الضعف.
والمشكلة لا تكمن هنا فقط، بل هناك حاجة لنظر إلى جوانب أخرى بينها مثلاً أن العقد الماضي شهد زيادةً هائلةً في عدد المركبات التي تحمل لوحات ترخيص مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، من 155 ألفاً إلى 650 ألفاً. 20% من المركبات في إسرائيل تحمل لوحات ترخيص مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، مقارنةً بـ6% في الدول الأوروبية. وبالرغم من أنَّ هذه الزيادة لها صلة بالأوضاع الأمنية إلا أن جانباً منها يتصل بطرق احتيالية.
التداعيات على إسرائيل
يرى "نبي الغضب" الجنرال اسحق بريك، أن الاتفاق الأميركي الإيراني على وقف إطلاق النار، بالغ الخطورة على إسرائيل من الناحية الاستراتيجية. فإنهاء الحرب دون تفكيك القدرات الإيرانية يعني عودة طهران السريعة إلى مسار التسلح المتسارع. بينما ستستعيد إيران قوتها، قد تجد إسرائيل نفسها في المستقبل أمام أميركا مختلفة، أميركا تغيرت أولوياتها، لا سيما في الأيام التي ستعقب ترامب، حيث بدأت أصوات داخل الحزب الديمقراطي تدعو إلى تقليص التدخل والدعم في الشرق الأوسط.
ويشرح بن كسبيت في "معاريف"، خطورة تداعيات الحرب على التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وأميركا الذي وصفه بأنه "أعظم أصول الدولة اليهودية الأمنية والسياسية والاقتصادية، بل يفوق جميع الأصول الأخرى بعشرة أضعاف". ويقول إن هذا التحالف لعب دوراً محورياً في مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية ما "جعل إسرائيل تمتلك أكبر حاملة طائرات أميركية في العالم". وهذا التحالف "أقوى رادع لدينا ضد أعدائنا" فالعلاقات مع أميركا "هي كنزنا الثمين. يجب ألا نمسّها، ولا نُفسدها، ولا نُصدمها، ولا نُعرّضها للخطر. يجب التعامل معها كأقدس الأقداس. عكس تماماً سلوك نتنياهو المتوحش في السنوات الأخيرة. والآن، كل هذا في خطر حقيقي".
وتطرق كسبيت إلى استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة "بيو" وكشف بيانات صادمة ومثيرة للقلق حول وضع إسرائيل بين الناخبين الأمريكيين. لأول مرة على الإطلاق، يحمل 60% من الأميركيين رأياً سلبياً تجاه إسرائيل، بينما يحمل 37% فقط رأياً إيجابياً. وفي رأيه "تنتشر كراهية إسرائيل بين الديمقراطيين، لكنها موجودة أيضاً وتتزايد بين الجمهوريين. في كلا الحزبين، غالبية الناخبين دون سن الخمسين ضدنا. يصعب استيعاب هذه الأرقام. نحن في الواقع نتبادل الأدوار مع الفلسطينيين". وأضاف "يحمّل الأميركيون نتنياهو مسؤولية جرّ ترامب إلى حرب يراها معظمهم غير ضرورية ومخادعة. وإذا ما انتهت هذه الحرب بفشل ذريع، فلن يطول الأمر قبل أن تصبح إسرائيل كبش فداء لقطاعات واسعة من الشعب الأميركي".
وربما وبسبب الضائقة الاستراتيجية التي نجمت عن الفشل في تحقيق الأهداف الكبرى للحرب المستمرة، يجد نتنياهو واليمين الإسرائيلي نفسيهما يطالبان بحروب أخرى. وفي نظرهم إذا انتهى الأمر مع إيران ففي الانتظار تركيا وبعدها المزيد.



