يشبه منطق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في قراره فرض حصار على الموانئ الإيرانية اعتباراً من يوم الاثنين الماضي، منطق إيران التي كانت تؤكد عليه منذ أكثر من عقد، أنه إما أن تتمكن جميع الدول من تصدير نفطها عبر مضيق هرمز، أو لا ينبغي لأي دولة أن تصدر نفطها عبر هذا المضيق. وكانت إيران تقصد أنها إذا مُنعت من بيع نفطها نتيجة العقوبات الأميركية، فإن من حقها أن تمنع أي دولة أخرى من تمرير نفطها عبر مضيق هرمز.
هذا ما أكّد عليه الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني حرفياً بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وإعادة فرض العقوبات ضد إيران. وبعد هذه التصريحات، دعم المرشد الإيراني السابق علي خامنئي موقف روحاني، كما وجّه الجنرال الراحل قاسم سليماني رسالة مفتوحة إلى روحاني، شكره فيها على تهديده بإغلاق المضيق. وجاء في الرسالة: "ما نُقل عن تصريحاتكم في الإعلام حول أنه إذا لم يُصدّر نفط الجمهورية الإسلامية فلا ضمان لتصدير نفط دول المنطقة، وما أبديتموه من مواقف تجاه النظام الصهيوني، هو مصدر فخر واعتزاز. وأقبّل يدكم لإطلاق هذه المواقف الحكيمة والصائبة وفي الوقت المناسب، ونحن على استعداد لخدمة أي سياسة تصبّ في مصلحة النظام الإسلامي".
وعليه، فإن فكرة إغلاق مضيق هرمز طُرحت رسمياً من جانب إيران منذ حزيران/ يونيو 2018، لكنها لم تُنفّذ إلا بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي بدأت في 28 شباط/ فبراير الماضي.
وبعد مرور 40 يوماً على الحرب، ذهب الوفد المفاوض الإيراني إلى إسلام آباد وهو يرى نفسه الطرف المنتصر بفضل قدرته على خنق الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق المضيق، ويعتبر أو يزعم أن هذه القدرة كانت العامل الرئيسي لاجبار ترامب على وقف إطلاق النار واستجداء المفاوضات من الوسيط الباكستاني. وربما لهذا الشعور ما يبرره، إذ لم تتمكن واشنطن لا بالقوة العسكرية ولا بالقصف ولا بالتهديدات، من فتح المضيق، ولم تُساعدها أي دولة أوروبية أو غير أوروبية في ذلك.
وقد تمكنت إيران من خلال إغلاق المضيق ـ الذي أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط ـ من إجبار ترامب على إلغاء العقوبات النفطية على إيران وروسيا للسيطرة على الأسعار، مما سمح لطهران ببيع عشرات ملايين البراميل من نفطها العائم في البحار، إضافة الى مليوني برميل من الإنتاج اليومي وبسعر أعلى من خام برنت، وحققت أرباحاً لم تحققها قبل الحرب بسنوات. ولذلك من الطبيعي أن ترى نفسها الطرف المنتصر.
حتى عسكرياً، يرى محللون مثل جون ميرشايمر، أستاذ جامعة شیكاغو، أن جميع القواعد الأمیركية الـ 13 الأساسية في المنطقة، إما دُمّرت بالكامل أو تعرّضت لأضرار جسيمة، وأن خسائر الطائرات الأميركية في يوم واحد كانت الأكبر منذ حرب فيتنام، وكل ذلك لإنقاذ طيار واحد. ويخلص إلى أن الطريق الوحيد المتبقي أمام ترامب هو "الاستسلام"، كما يعني ان الطرف المنتصر هو إيران.
وربما هذا الشعور الإيراني بالنصر بسبب ورقة هرمز، دفع ترامب لفرض الحصار البحري على إيران، حيث ان الحصار البحري يمكن أن يضعف الرواية الإيرانية حول "انتصار المقاومة الإيرانية على القوة الأميركية الإسرائيلية"، كما يمنح ترامب ـ الذي اعتاد تصوير إخفاقاته كإنجازات ـ فرصة للقول إنه أجبر إيران على العودة إلى مفاوضات إسلام آباد، بينما الحقيقة أن المفاوضات كان يمكن أن تستمر حتى دون الحصار، بل إن الجانبين كانا يوم السبت الماضي، قريبين جداً من التفاهم. إلا أن ترامب فيما يبدو أراد عرضاً إعلامياً يُظهِر "انتصاره" و"هزيمة إيران"، واستخدم لذلك مناورة الحصار البحري. وكشاهد على ذلك بعد يوم من إعلان الحصار، أكدت وسائل الإعلام أن الوفدين سيعودان إلى التفاوض الخميس أو السبت المقبل، دون تحديد المكان.
ومع ذلك، إذا نُفّذ الحصار البحري كما يدّعي ترامب، فقد يُلحق بالاقتصاد الإيراني خسائر قدرها 276 مليون دولار يومياً من انخفاض الصادرات، ويعطّل في الوقت نفسه واردات بقيمة 159 مليون دولار يومياً، أي خسارة يومية تقارب 435 مليون دولار، تعادل 13 مليار دولار شهرياً و156 مليار دولار سنوياً.
أما الموانئ الشمالية البعيدة عن متناول الولايات المتحدة، فلا يجري عبرها سوى أقل من 10% من تجارة إيران، بينما تمثل الحدود البرية مع الجيران نحو 15% من حجم التبادل التجاري.
لا شك أنَّه لا الاقتصاد الإيراني ولا الاقتصاد العالمي، قادران على تحمّل حصار بحري كهذا. وحتى إن استطاعت إيران الصمود لستة أشهر بفضل مخزوناتها الاستراتيجية ومعابرها البرية شمالاً وشرقاً وغرباً، فإن الاقتصاد العالمي لن يتحمل شهراً واحداً. أما المواطن الأميركي، فقد أثقلته زيادة أسعار البنزين، في حين لم يتغير سعر البنزين في إيران بعد شهرين من الحرب؛ فسعر البنزين غير المدعوم هناك هو دولار واحد فقط لكل 30 لتراً، وسعر 130 لتراً من البنزين المدعوم الذي يُعطى شهرياً لكل سيارة، أقل من دولارين ونصف. ولا يزال المستهلك الإيراني يستهلك أرخص بنزين في العالم.




