بدأ تسويق الحروب مبكراً، منذ الحرب العالمية الأولى، حين كان لشعار مثل "إنها الحرب التي ستجعل العالم آمناً للديمقراطية"، مفعول السحر على الشعوب الأميركية والأوروبية. لم تكن هذه مجرد جملة عابرة، بل كانت عملية هندسة واعية للرأي العام.
صاحبها هو إدوارد بيرنيز، الرجل الذي استعان به البيت الأبيض لصياغة حملاته الترويجية، والذي سيُعرف لاحقاً بأنه مهندس البروباغندا الحديثة. لم يكن بيرنيز يعمل بعشوائية، بل استند إلى أفكار خاله سيغموند فرويد، محوّلاً التحليل النفسي من أداة لفهم الإنسان إلى أداة للتأثير عليه.
بيرنيز لم يبِع سياسات فقط، بل أعاد تشكيل العادات اليومية. هو من أقنع الأميركيين بأن لحم الخنزير المقدد مع البيض هو "الفطور المثالي"، بعدما استأجرته شركة لحوم، فدفع بنحو 5 آلاف طبيب لتوقيع رسالة تدّعي أن الإفطار الثقيل أكثر صحة. وهو أيضاً من أدخل النساء إلى سوق التدخين علناً، حين استأجرته شركة تبغ، فموّل مشهداً مدروساً: نساء يسِرن في موكب عيد الفصح في العام 1929، يحملن سجائر مشتعلة، واصفاً إياها بـِ "مشاعل الحرية".
منذ ذلك الحين، لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح فقط، بل بالأفكار. أثبت بيرنيز أن السيطرة على العقول قد تكون أبلغ من الرصاص، وأن فهم سيكولوجية الحشود يمكن أن يتحول إلى سلاح استراتيجي بحد ذاته.
اليوم، لا تحتاج الحكومات إلى إقناعك بحرب عبر خطاب رسمي. يكفي أن تنتشر كلمة واحدة على منصة لتعيد تشكيل رأيك خلال دقائق.
الكلمة التي أسقطت حليف بوتين في أوروبا
حاول كثيرون استمالة بيرنيز، من أدولف هتلر إلى فرانثيسكو فرانكو، لكنه رفض. في المقابل، عمل مع رؤساء الولايات المتحدة من كالفن كوليدج إلى دوايت أيزنهاور.
أشهر حيله كانت مع كوليدج، الذي عانى من صورة باردة جعلته غير محبوب. لم يغيّر بيرنيز سياساته، بل صورته: دعا نجوماً مسرحيين إلى الإفطار في البيت الأبيض، وفي اليوم التالي كتبت الصحف: "الرئيس كاد يضحك". كلمة واحدة كانت كفيلة بتليين صورته، وفاز كوليدج بالانتخابات.
لكن للكلمة وجه آخر. إن كانت قادرة على خلق التعاطف، فهي قادرة أيضاً على التدمير، خصوصاً حين تأتي من الشخص الخطأ وفي التوقيت الخطأ.
على مدى ستة عشر عاماً، عمل فيكتور أوربان على ترسيخ سلطته كرئيس لوزراء المجر، مقدّماً نفسه كحليف أول للرئيس الروسي فلاديمير بوتين داخل الاتحاد الأوروبي. قوّض قرارات، وعرقل سياسات، ومال نحو الكرملين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. لكن خسارته الانتخابات يوم الأحد الفائت، أمام بيتر ماغيار، لم تكن مجرد هزيمة داخلية، بل ضربة سياسية لروسيا. المفارقة أن هذه الخسارة لم تأتِ من تحول جذري في السياسات، بل، مرة أخرى، من كلمة. كلمة قالها دونالد ترامب أمام تجمع انتخابي في المجر: "أنا أحب فيكتور".
في سياق أوروبي بات يرى في الولايات المتحدة شريكاً غير موثوق، جاءت هذه العبارة كعبء لا كدعم. خلال العام الماضي، تزايد الشك الأوروبي بواشنطن: من طرح فكرة الاستحواذ على غرينلاند، إلى مواقفه الداعية لقبول شروط روسيا في أوكرانيا، وصولاً إلى تهديده المستمر بوقف المساعدات.
وفي ذروة هذا التوتر، لم يتردد في إظهار أوربان كأداة محتملة لإضعاف الاتحاد الأوروبي، بل أرسل شخصيات مثل وزير خارجيته ماركو روبيو ونائبه جاي دي فانس لدعمه انتخابياً.
في المقابل، كانت أوروبا تتهم أوربان بتقويض سيادة القانون وتعطيل قرارات حيوية، من بينها مساعدات أوكرانيا خلال الشتاء. وسط هذا المشهد، جاءت كلمة ترامب كختم نهائي: تأكيد علني لما كان يُهمس به، فحوّلت الدعم إلى عبء، والحليف إلى خطر.
هنا تحديداً تتجلى فكرة بيرنيز: كلمة واحدة، في موقعها الصحيح، قادرة على خلق "الموافقة العامة" أو نسفها بالكامل.
الكلمة التي كادت تشعل حرباً أهلية في لبنان
لم يحتج إدوارد بيرنيز إلى بندقية ليغيّر العالم. احتاج فقط إلى جملة واحدة فتبِعته شعوب بأكملها إلى الحرب. وفي لبنان، لا تحتاج الكلمات إلى الكثير من الوقود لتشتعل.
إعلان الولايات المتحدة رعايتها أول اتصال مباشر بين إسرائيل ولبنان، عقب غارات دامية على بيروت في 8 نيسان/ أبريل، لم يكن مجرد خبر دبلوماسي، كان شرارة.
عملياً، لا يعني "التواصل المباشر" تغييراً فورياً في قرارات الحكومة، التي يمكنها التفاوض بشكل غير مباشر. لكن وقع العبارة، في لحظة كان اللبنانيون يدفنون ضحاياهم، كان كافياً لإشعال الشارع. وكانت النتيجة خروج مئات الغاضبين، الرافضين حصر السلاح بيد الدولة وأي حديث مباشر مع إسرائيل.
ثم جاءت الخطوة التالية. في 9 نيسان، وافق بنيامين نتنياهو على التواصل، لكنه صاغها بعبارة محسوبة: "استجابة لطلبات لبنان المتكررة". لم تكن مجرد موافقة، بل إعادة صياغة للرواية: أنتم من تريدون الحديث معنا.
بين الغارات، والدعوة الأميركية، وعبارة نتنياهو، تكوّن مثلث متفجر. ثلاثة عناصر لغوية وسياسية كادت أن تدفع البلد إلى مواجهة داخلية.
تقنية "الموافقة العامة"
في شرحه لتقنياته، يقول إدوارد بيرنيز إن الفرد يواجه يومياً مئات الرسائل: إعلانات، أخبار، آراء، أصدقاء، كلها تتنافس على تشكيل سلوكه. الفائز ليس الأقوى، بل الأذكى: من يفهم كيف تُصنع "الموافقة العامة"، وكيف تُوجَّه.
وهذا ما نراه اليوم بوضوح. عبارات مثل "إعادة إيران إلى العصر الحجري"، أو التلويح بهدنة، أو التهديد بحصار، ليست مجرد تصريحات عابرة من دونالد ترامب، بل أدوات تأثير تُحرّك الأسواق، وتضغط على الدول، وتدفع أطرافاً إلى طاولة التفاوض.
وما يضاعف أثر هذه الكلمات هو البيئة التي تنتشر فيها: إعلام ضخم، ومنصات بحث، وشبكات اجتماعية، تخضع جميعها لتأثير الشركات والإدارة الأميركية. في هذا الفضاء، لا تنتصر الحقيقة بالضرورة، بل الفكرة الأكثر قابلية للانتشار.
في هذا العالم، لا تبدأ الحروب عندما تُطلق الرصاصة الأولى، بل عندما ينجح أحدهم في جعلك تصدّق أنها ضرورية. هناك فقط تكون الكلمة قد سبقت الرصاص.




