الحصار البحري على إيران: الآليات والمخاطر والتداعيات

علي دربجالثلاثاء 2026/04/14
GettyImages-810869014 (3).jpg
ترامب لا يرغب في خوض صراع مسلح إضافي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"إذا لم تستطع حلّ مشكلة، فقم بتوسيعها". هذه النصيحة، التي تُنسب غالباً إلى الرئيس الأميركي الأسبق دوايت د. أيزنهاور، قرّر حالياً سيّد البيت الأبيض دونالد ترامب اتباعها كاستراتيجية جديدة رداً على فشل المفاوضات الأميركية ــ الإيرانية في باكستان، من خلال إقدامه على فرض حصار بحري على موانئ وسفن وصادرات طهران النفطية، بغض النظر عن المخاطر العسكرية، والتداعيات على الاقتصاد العالمي.
ولهذه الغاية، أعلن ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن "البحرية الأميركية، الأفضل في العالم، ستبدأ بعملية فرض حصار على أي وجميع السفن التي تحاول الدخول إلى أو مغادرة مضيق هرمز"، مهدداً بأن "أي جهة تهاجم السفن الأميركية سيتم تدميرها بالكامل".
اللافت أن هذا التهديد الواسع سرعان ما جرى تقليصه بعد ساعات من الإعلان، عندما أوضحت القيادة المركزية الأميركية (Centcom) أن "الحصار سيقتصر على السفن التي تعبر إلى الموانئ الإيرانية — وأنه سيسمح بمرور السفن المتجهة إلى موانئ حلفاء الولايات المتحدة في الخليج".

 

وسائل تنفيذ الحصار
في الواقع، لم يُفصح الجيش الأميركي بعد عن تفاصيل كثيرة تتعلق بالحصار، بما في ذلك عدد السفن الحربية التي ستُنفذه، وهل سيستخدم طائرات حربية، وهل سيساعده أي من حلفاء الخليج في هذه المهمة، خصوصاً وأن عدداً من أصدقاء واشنطن، لاسيما بريطانيا، أعلنت أنها لن تشارك في أي حصار للمضيق، كما صرّح رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، بأن بلاده لم تُطلب منها المشاركة.
أكثر من ذلك، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن خبراء عسكريين أميركيين قولهم إنه "من غير المتوقع أن يُطلق الجيش الأميركي صواريخ أو أن يستعمل أسلحة أخرى موجّهة ضد ناقلات النفط الإيرانية أو الصديقة لها، نظراً لمخاطر حدوث كارثة بيئية". ويُرجّح هؤلاء الخبراء أن تُحاول البحرية الأميركية إجبار السفن على تغيير مسارها عبر التهديدات، وإذا لم يُجدِ ذلك نفعاً، فستُرسل فرقاً مسلّحة للصعود إلى السفن والسيطرة عليها فعلياً.
كما أوضحت القيادة المركزية أن "الحصار سيُفرض بشكل محايد على سفن جميع الدول التي تدخل أو تغادر الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية ـــ أي اعتراض أي سفن تدفع لإيران رسوماً للمرور ـــ غير أنه لن يعيق حرية الملاحة للسفن العابرة لمضيق هرمز من وإلى الموانئ غير الإيرانية".
وتعليقاً على ذلك، أكد الأدميرال المتقاعد مارك مونتغمري (باحث بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز أبحاث أميركي مختص بالأمن القومي والسياسات الدفاعية) أنه "وبدلاً من أن تقوم سفن البحرية الأميركية بمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز - وهي عملية قد تعرض حياة المزيد من أفراد الخدمة للخطر - ستضطر الولايات المتحدة إلى الصعود إلى أي سفن تدفع رسوم العبور لإيران، وربما مصادرتها، ما سيؤدي فعلياً إلى إغلاق المضيق تماماً.
وإذ لفت مونتغمري إلى أن هذا سيكون أقل خطورة على  واشنطن، وأكثر تكلفة بكثير على إيران، أكد أنه "للقيام بذلك سيحتاجون إلى عدد كبير من المدمرات وفرق الصعود والتفتيش والمصادرة".

 

وماذا عن المخاطر؟
صحيح أن الحصار هو أداة ضغط بالتأكيد، لكنه ليس عسكرياً بالدرجة الأولى، إذ لا يرغب ترامب في خوض صراع مسلح إضافي. ومع ذلك، فإن المنطق الاستراتيجي لترامب واضح، وهو أن "قطع صادرات النفط الإيرانية سيحرمها من العملة الصعبة التي تُبقي اقتصادها الحربي قائماً".
لكن مهلاً، فإن الردّ الإيراني لم يتأخر، حيث قالت القيادة المركزية العسكرية الإيرانية في منشور على منصة "أكس" يوم الاثنين: "إذا تعرّضت موانئ إيران للتهديد، فلن يكون أي ميناء في المنطقة آمناً".
إلى جانب ذلك، يحذّر المحللون العسكريون الأميركيون من أن الحصار قد يواجه عقبات عسكرية خطيرة، فطبيعة المضيق الجغرافية الضيقة تُجبر السفن الحربية الأميركية على التحرك داخل ممر محدود، حيث يمكن للألغام البحرية الإيرانية والصواريخ الساحلية وأسراب الطائرات المسيّرة الرخيصة، أن تُبطل التفوق العسكري الأميركي.
وفي السياق ذاته، فإن قيام الولايات المتحدة باحتجاز سفن إيرانية قد يدفع الحوثيين للردّ في باب المندب، وهذا سينجم عنه ارتفاع حاد في أسعار النفط.

 

تداعيات الحصار 
عملياً، قد تكون التداعيات الاقتصادية للحصار سيفاً ذو حدّين. فمن جهة، ومع وجود نحو 7 ملايين برميل من النفط الخام و4 ملايين برميل من المنتجات المكرّرة عالقة بالفعل في الخليج (الأرقام على ذمة "واشنطن بوست")، فإن منع النفط الإيراني يهدّد بدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع، وربما إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية على المدى القصير على الأقل. ومن ناحية أخرى، يُعدّ المضيق نقطة اختناق لسلع أخرى في سلاسل الإمداد، مثل الألمنيوم والهيليوم والأسمدة.
المثير في الأمر أنه "وفور إعلان ترامب عن الحصار، ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 8 في المئة إلى 104.24 دولاراً للبرميل، في حين قفز سعر خام برنت بنسبة 7 في المئة إلى 102.29 دولاراً".

في المحصلة، يتحدث مسؤولو إدارة ترامب عن ثلاثة سيناريوهات محتملة مع تشديد القبضة الاقتصادية الأميركية على إيران: أولاً، قد يتم إسقاط النظام، وهو احتمال يعتقدون أنه يصبح أكثر واقعية بعد توقف القصف مقارنة بما قبله. ثانياً، قد يقرر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أو زعيم جديد آخر عبور ما وصفه فريق ترامب بـ"الجسر الذهبي" نحو مستقبل جديد. ثالثاً، قد يحاول المتشددون في الحرس الثوري الإيراني كسر الحصار أو تنفيذ ضربات أخرى لفرض مزيد من التنازلات الأميركية. بالمقابل، ضع في اعتبارك، أنه بينما يرى العديد من السياسيين الأميركيين بأن الإفراط في نجاح الاحتمالين الأول والثاني كان من أكبر أخطاء هذه الإدارة خلال الحرب. يعتقدون بأن السيناريو الأخير هو المرجح. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث