ليست المشكلة في إيران اليوم أنَّ عدداً من المصانع تعرض للقصف، بل بأن ما أُصيب هو أعمق. ما أصيب هو الذي يجعل أي اقتصاد قادراً على التعافي. فحين تضرب منشآت البتروكيماويات والصلب والطاقة، يمكن نظرياً إعادة البناء. لكن حين تدمر أيضاً سلاسل الإمداد المحلية، وشبكات الكهرباء، ومرافق الخدمات الصناعية، والشركات القادرة على تصنيع المفاعلات، فإن إيران لا تخسر إنتاجها فقط، بل تخسر القدرة على استئناف الإنتاج نفسه.
ما بعد الضربة
هذا ما تكشفه صورة الضربات الأخيرة على البنية الصناعية الإيرانية. فبحسب تقارير حديثة، استهدفت الهجمات منشآت أساسية في عسلوية بوصفها القلب الصناعي واللوجستي لحقل بارس الجنوبي والبتروكيماويات الإيرانية ومناطق صناعية أخرى، فيما قال وزير الدفاع الإسرائيلي إن الضربات أصابت منشآت تمثل نحو 50 في المئة من إنتاج إيران البتروكيماوي، وإن منشأتين مسؤولتين عن 85 في المئة من صادرات القطاع أخرجتا من الخدمة. ومن المعلوم أن حقل بارس الجنوبي هو شريان طاقة حيوي لإيران، ليس فقط لتوليد الكهرباء والتدفئة، بل أيضاً لتغذية صناعات كيميائية تمثل مصدراً مهماً للعملات الصعبة.
التآكل السابق
لكن الضربات على إيران لم تستهدف منشآت حديثة أو بنية صناعية متماسكة. فقبل الحرب بسنوات، كان الاقتصاد الإيراني يعيش حالة استنزاف بطيء بفعل العقوبات الطويلة، وتقييد الاستيراد، وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا وقطع الغيار والتمويل. وتظهر بيانات البنك الدولي أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إيران بلغ في 2024 نحو 5190 دولاراً، بعدما كان قد تجاوز 8 آلاف دولار في 2012، أي قبل موجات الانكماش الطويلة المرتبطة بالعقوبات وتقلبات العملة والاستثمار. كما تشير تقارير حديثة إلى أن قطاع الطاقة الإيراني نفسه كان يعاني بنية متهالكة ونقصاً في الإمدادات وانقطاعات في الكهرباء حتى قبل التصعيد العسكري الأخير.
لهذا لا تبدو الأضرار الحالية مجرد خسائر حرب عابرة. فحين تكون المعدات قديمة والصيانة متقطعة وسلاسل الإمداد ضعيفة، فإن أي توقف قسري طويل يتحول إلى تآكل مضاعف. فالعديد من الأجهزة الصناعية التي تتوقف من دون تنظيف دوري لا تعود بسهولة إلى كفاءتها السابقة، ووحدات التحفيز الكيميائي التي تحرم من موادها وقطعها لا تستعيد قدراتها بقرار سياسي، والأنابيب والمضخات التي تعمل في بيئة كيميائية قاسية لا تنتظر نهاية الحرب كي تتآكل.
مصانع إنقاذ المصانع
الأخطر أن الحرب أصابت، ما يمكن تسميته مصانع إنقاذ المصانع. ففي "آراك" مثلا تتمركز شركات هندسية وصناعية تصنع معدات ثقيلة يحتاجها أي مجمع بتروكيماوي أو مصفاة أو معمل صلب لإعادة التشغيل. وتظهر تقارير اقتصادية إيرانية أن شركات مثل "آزارآب" كانت جزءاً من جهود توطين تصنيع معدات البتروكيماويات، من المفاعلات وأعمدة التقطير إلى الأوعية الضاغطة ومعدات العمليات. وإذا كان هذا العمق الصناعي المحلي يتعرض للتدمير أو التعطيل، فإن إيران لن تواجه مشكلة إصلاح فقط، بل مشكلة من سيصنع أدوات الإصلاح.
ومن هنا تتضح خطورة ما أعلنته شركة "جم" للبتروكيماويات، التي قالت إن الأضرار التي لحقت بمنشآتها في هجوم 6 نيسان/ أبريل ستحتاج إلى سنوات من أجل إعادة الإعمار واستئناف الإنتاج، مع تضرر طاقة سنوية تبلغ 3.174 ملايين طن. وفي القطاع العسكري، قال رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة دان كاين إن نحو 90 في المئة من مصانع الأسلحة الإيرانية تعرّضت لهجمات، وإن قرابة 80 في المئة من منظومات الدفاع الجوي دمرت. أما في إطار معامل الصلب، فتشير بيانات "وورلد ستيل" إلى أن منشآت "مباركة" وحدها تنتج أكثر من 10 ملايين طن سنوياً، فيما تمثل الشركات الكبرى الأخرى مثل "خوزستان" ركائز أساسية لقطاع غير نفطي حيوي.
لهذا، لا تبدو المسألة في إيران مجرد عد للمصانع المقصوفة. المسألة أن الحرب، فوق عقوبات عمرها أكثر من عقد، تضرب الآن القاعدة التي تسمح بإعادة بناء تلك المصانع. وعندما تقصف المنشآت الأم في اقتصاد محاصر ومتقادم، فإنَّ الخسارة الحقيقية لا تكون في الإنتاج الذي توقف اليوم، بل في القدرة على استعادته غداً.




