كتبنا هنا منذ أربعة أسابيع، ولأول مرة، وقبل أن يخرج المصطلح إلى العلن عربياً وعبرياً، عن النوايا الإسرائيلية لاستنساخ تجربة غزة في جنوب لبنان. تتمحور هذه التجربة حول إقامة ممر "نتساريم" والخط الأصفر والتفاوض تحت النار، والتوصل إلى اتفاق جديد، تماماً كما غزة، على أن يتم تنفيذ الاتفاق على مراحل تتناسب طردياً مع وتيرة نزع سلاح حزب الله وفرض الحكومة الشرعية سيادتها على كامل أراضيها، بينما تعيد إسرائيل انتشارها أولاً من "نتساريم" (الليطاني في الحالة اللبنانية) إلى الخط الأصفر ثم إلى ما تسمّيه "المحيط الأمني"، وهو الاسم الحركي للمنطقة الأمنية العازلة على الحدود مع فلسطين المحتلة، وأخيراً الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، على أن يتم ربط إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى الجنوب بالسيرورة السابقة.
وقبل ذلك، كتبنا عن ضرورة بذل كل الجهود كي لا يتحوّل جنوب لبنان إلى شمال غزة، وألا تتم التضحية بالبلاد كلّها من أجل إيران وسياساتها في المنطقة، خصوصاً بعدما أنجزت المقاومة الفلسطينية واللبنانية المتراكمة هدفها عبر عقود طويلة من النضال، الانسحاب الإسرائيلي ربيع العام 2000. وللأسف، لست سعيداً بالطبع بتحقق كلّ ما توقعناه، وهو ما لا يستحقه لبنان، الفريد والاستثنائي والمقاوم دوماً على طريقته والنقيض التام للمشروع الاستعماري العنصري الصهيوني في فلسطين.
استنساخ حرب الإبادة
إذاً، بات الحديث طوال الأسبوع الماضي، عربياً ولبنانياً وعبرياً ودولياً، منصبّاً على التحذير من قيام "إسرائيل" بتكرار جريمة إبادة غزة مرة أخرى في لبنان، سمعنا ذلك من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتريتش والرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، كما مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين وتعليقات وتحليلات عديدة في وسائل إعلام عبرية وصحف عالمية مرموقة تحذّر من استنساخ حرب الإبادة في لبنان بشكل عام، والجنوب بشكل خاص.
الحقيقة، كانت الصورة واضحة تماماً منذ الأيام الأولى للحرب الراهنة وانخراط حزب الله فيها إلى جانب إيران، ومتابعة التصريحات والتعليقات الإسرائيلية خلال الحرب وقبلها، كافية لاستنتاج ما ستفعله أو سترتكبه إسرائيل من جرائم في لبنان هذه المرة.
في الأيام الأخيرة، أصبح الحديث علنياً ومكرّراً ومكثّفاً عن استنساخ الخط الأصفر الغزاوي في جنوب لبنان، لكن من دون أي ذكر لممر "نتساريم"، ربما لإخفاء معالم الجريمة الكاملة مع التذكير بتوصيفات الأمم المتحدة وهيئات قضائية دولية ومنظمات حقوقية مرموقة للحرب في غزة باعتبارها إبادة كاملة الأركان.
إذاً، وبما أن لا خط أصفر من دون "نتساريم"، جاءت الخطوة الإسرائيلية الأولى باستنساخ الممر نفسه في جنوب لبنان، حيث بدا بمنزلة ممر أو عائق طبيعي متمثل في نهر الليطاني الذي بات النسخة اللبنانية من ممر "نتساريم" بغزة، والذي كان بدوره الخطوة الأولى لجريمة الإبادة والتدمير والتهجير هناك، وصولاً إلى ما يُعرف بنموذج غزة الذي تريد "إسرائيل" استنساخه لبنانياً.
نموذج رفح-بيت حانون
بتفصيل أكثر، جاءت الخطوة الأولى للحرب في لبنان كما غزة بإقامة ممر "نتساريم"، وهو هنا نهر الليطاني، للفصل بين الجنوب وبقية المناطق اللبنانية. ومجازاً، تم التعاطي مع الضاحية الجنوبية باعتبارها العاصمة السلطوية الإدارية لحزب الله، كما تم التعاطي مع مدينة غزة باعتبارها العاصمة السلطوية والإدارية لحركة حماس، بينما جرى التعاطي مع الجنوب اللبناني، لا سيما قرى الحافة الأولى، كما المناطق والمدن الحدودية في قطاع غزة (رفح وخان يونس وبيت حانون). ومن هنا، يمكن فهم كلام وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس الدائم عن تكرار نموذج رفح - بيت حانون في الجنوب اللبناني.
وتجسد نموذج "نتساريم-الليطاني"، عملياً في تدمير الجسور وعزل الجنوب عن كامل البلاد، ما يستلزم التصديق والتعاطي بجدية مع تهديد الاحتلال بجعل المنطقة كلها خالية من السكان والبيوت والأعيان المدنية. لكن، يجب الانتباه إلى إن الاحتلال سيفرض سيطرة نارية وعملياتية فقط وقد تصل قواته إلى النهر، لكنها لن تبقى للسيطرة مباشرةً عليه.
أما الخطوة الثانية في المخطط فتلحظ إقامة الخط الأصفر بعمق 8-10 كم داخل الجنوب، كخط دفاع متقدم عن المستوطنات الشمالية والمنظومة الصاروخية المضادة للدروع، وهو يشمل ما تعرف بقرى وبلدات الحافة الثانية.
أما الخطوة الثالثة والمحيط الأمني، وهو الاسم الحركي للمنطقة العازلة، فيضمّ قرى الحافة الأمامية بعمق 3-4 كم عن الحدود مع فلسطين المحتلة.
الخطوات الأولى والثانية والثالثة اعتمدت سياسة الأرض المحروقة والتدمير المنهجي، حتى الخط الأصفر مع تدمير كبير وملحوظ بالمساحة الفاصلة حتى ممر نتساريم-الليطاني.
تفاوض تحت النار
الخطوة الرابعة وفق النموذج الغزاوي نفسه، سيناريو "نتساريم- الليطاني" والخط الأصفر والمنطقة العازلة تلحظ التفاوض المباشر تحت النار مع الحكومة اللبنانية الشرعية والمعترف بها دولياً، ولكن بعد إنجاز المهمة بخطواتها التي أوشكت على الانتهاء. وهو ما يفسر رفض إسرائيل التفاوض حتى الآن مع الحاجة الى أيام وأسابيع "قليلة أخرى" لتدمير المنطقة العازلة تماماً، والسيطرة الكاملة على المناطق بالخط الأصفر.
ستسعى إسرائيل إلى التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار جديد يجري تنفيذه على مراحل كما غزة ويكون انسحاب تدريجي للاحتلال مرتبط بفرض الحكومة اللبنانية سيطرتها وسلطاتها الكاملة على شمال الليطاني أولاً، قبل الموافقة على انتشارها بالجنوب وتحديداً بالمنطقة ما بين النهر والخط الأصفر.
في الأخير وفيما يخص الاستنتاج واستخلاص العِبر يتطلب الأمر التصرف بشكل مختلف، كي لا يتحقق لبنانياً ما تحقق غزاوياً وفلسطينياً، وما يشجع على ذلك وجود حكومة جادة مدعومة شعبياً على نطاق واسع وعليها التفاوض بحذر. والانطلاق من أولوية وقف الإبادة وتولي القيادة الشرعية والرسمية مسؤولياتها والقيام بواجباتها باعتبار ذلك مصلحة وطنية بامتياز، وتحاشي التطبيع واتفاق السلام الدائم أو التفريط بالحقوق والثروات الطبيعية، مع الإصرار على وجود وسطاء وضامنين عرب ومسلمين ودوليين، وقوة استقرار دولية مختلفة عن اليونيفيل التي بات رحيلها مسألة وقت، وسؤال متى لا هل، وخطة إعادة اعمار عملاقة على كافة المؤسسات والمستويات بلبنان الجديد بمظلة حماية إقليمية ودولية راسخة تماماً كما هو الحال مع سوريا الجديدة.




