لماذا لا تتخلى إيران عن حقوقها النووية؟

GettyImages-103527970.jpg
إيران ترى نفسها في موقع قوة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد يوم واحد من المباحثات بين الوفدين المفاوضين الإيراني والأميركي، برئاسة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن الجانب الأميركي ورئيس مجلس النواب محمد باقر قاليباف عن الجانب الإيراني، لم يُحرَز أي تقدّم يُذكر بشأن ملف تخصيب اليورانيوم الإيراني، ولا حول مسألة سيطرة طهران على مضيق هرمز وفرض الرسوم على السفن.

يبدو جلياً أن كلا الطرفين لا يرغبان في التوصل إلى اتفاق متسرّع. فالولايات المتحدة، التي بادرت عبر الوساطة الباكستانية إلى طرح وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، لا ترغب في أن تظهر بمظهر المتنازل عن مجمل مطالبها خلال جولة واحدة، ولا أن تؤكّد صحة الانتقادات اللاذعة التي وجهت للرئيس دونالد ترامب جرّاء إشعال هذه الحرب المدمّرة، وتهديده لاحقاً بطمس البنية التحتية للطاقة في إيران. ومن ثم، فإن تعثر الجولة الأولى من المفاوضات يمنح ترامب فسحة لالتقاط الأنفاس ويتيح له التخفيف من صورة "الخاسر" التي رسمتها له وسائل الإعلام، ويمنحه فرصة لمتابعة محاولاته لانتزاع ما عجز عن تحقيقه في الحرب عبر طاولة التفاوض.

 

انتصار إيراني

وتعكس تصريحات ترامب وتغريداته في الأيام الأخيرة حالة من الضيق والارتباك، إذ يزعم الانتصار في الحرب وتدمير القدرات الجوية والبحرية الإيرانية لكنه يعترف بأن متابعة وسائل الإعلام توحي بأن إيران هي التي خرجت منتصرة.

وبما أن ترامب رجل إعلام بامتياز، ويدرك تماماً حجم سلطة الإعلام في تكوين الواقع لا في تمثيله فحسب، فإنه يدخل في مواجهة مباشرة مع وسائل الإعلام لأنها ليست جيشاً يأتمر بأوامره دون نقاش. ولذا فإن الإعلام يطرح سؤالاً مُحرجاً: كيف لم يتمكن ترامب، رغم أربعين يوماً من العمليات العسكرية وشن أكثر من عشرة آلاف غارة على منشآت عسكرية وأمنية وإدارية وصناعية وحتى تعليمية من إرغام إيران على الاستسلام؟

وبرغم الحملات الإعلامية التي تُظهِره مهزوماً، إلا أن ترامب بات بأمس الحاجة إلى إنجاز ملموس على طاولة المفاوضات.

وكان ترامب قد رأى في الأيام الأخيرة من الحرب أن السبيل الوحيد لإخضاع إيران هو تهديدها بتدمير منشآتها الكهربائية وإعادتها إلى العصر الحجري وهو تهديد يُعدّ بحد ذاته جريمة حرب بموجب القانون الدولي، وقد جوبه بمعارضة واسعة داخل الولايات المتحدة ذاتها.

 

كسر إرادة إيران

وقد أدرك الإيرانيون جيداً أن ترامب غير قادر على تنفيذ هذا التهديد، فلم يرضخوا له، ولم يوافقوا حتى على إعادة فتح مضيق هرمز لحماية منشآتهم الكهربائية. ومن البديهي، والحال هذه، أن يرفضوا شرط " صفر التخصيب" في الملف النووي؛ فهم أنفقوا على مدى أكثر من عقدين تكاليف مالية باهظة، وفقدوا عدداً كبيراً من علمائهم النوويين الذين اغتالتهم أجهزة الموساد، إضافة إلى خسارتهم قائدهم الأعلى وعدداً من كبار القادة العسكريين، فضلاً عن تدمير عشرات المليارات من استثماراتهم الصناعية والعسكرية.

ورغم هذه الخسائر الفادحة، لم تتمكن الضغوط من كسر إرادة إيران، بل إن الأخيرة استطاعت بعد حربين واسعتين أن تُحكِم قبضتها على شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز، وأن توسّع نطاق المواجهة إلى مستويات لم تكن متصوّرة قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

أما بالنسبة لترامب، الذي كان في كانون الثاني/يناير الماضي يشجّع المحتجين الإيرانيين على مواصلة الشغب ويَعِدُهم بالدعم، فمن الصعب عليه اليوم تقبّل واقع أن الشارع الإيراني بات تحت سيطرة التيار المتشدد الرافض للتفاوض مع الولايات المتحدة، والذي يرى أن مرحلة تقرير مصير الملف النووي عبر طاولة التفاوض قد انتهت وأن على الجانب الأميركي أن يستسلم لشروط إيران فحسب.

 

إيران في موقف قوة

وفي ما يتعلّق بإيران، التي تحملت أثقل الأعباء للوصول إلى حقها في التخصيب السلمي، فإن من سخرية القدر أن تطالبها الولايات المتحدة — الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي ضد المدنيين — في عاصمة دولة باكستان التي تمتلك السلاح النووي ولم تتعرض لأي من العقوبات المؤلمة التي عانت منها طهران، بوقف برنامجها بالكامل، رغم أن تقارير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت التزام إيران التام بتعهداتها. وتبرر واشنطن مطلبها بأن القدرة على تخصيب اليورانيوم بنسبة واحد بالمئة تعني القدرة التقنية على إنتاج سلاح نووي.

ورغم أن الوقت ما زال مبكراً لإعلان فشل المفاوضات كما أكد وزير الخارجية الباكستاني على مواصلة بلده الجهود اللازمة من اجل تقريباً وجهات النظر لدى الطرفين، إلا أن إيران ترى نفسها في موقف قوة وأنها تمتلك اليد العليا وتعتقد أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيمنحها القدرة على فرض شروطها.

وقد أسفرت الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عن نتائج عكسية، إذ ساعدت في حلّ أزمة شرعية النظام داخلياً، ورفعت أسعار النفط الإيراني إلى أكثر من الضعف، وأدّت عملياً إلى رفع العقوبات النفطية وأجبرت واشنطن على مطالبة زبائن إيران السابقين بالعودة إلى شراء النفط لضبط الأسعار العالمية، ومنحت طهران فرصة لتعزيز سيطرتها على مضيق هرمز وفرض الرسوم على السفن المارة فيه. كما تسببت هذه الحرب برفع غير مسبوق في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار سخط الشارع الأميركي، وهو ما سيظهر أثره بوضوح في صناديق انتخابات الكونغرس ومجلس الشيوخ المقبلة.

إيران اليوم اصبحت أقوى بكثير ممّا كانت عليه خلال الحرب الأربعين يوماً الأخيرة، فلماذا ينبغي لها أن ترضخ لشروط الولايات المتحدة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث