جنوب لبنان: هل يتحول وهم الاستيطان الأيديولوجي لواقع جغرافي؟

أحمد عبد الحليمالأحد 2026/04/12
Image-1775921405
إسرائيل تقطع أوصال جنوب لبنان عبر تدمير الجسور ( Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

إننا اليوم، وفي ظل تجدد الحرب الإسرائيلية على لبنان، أمام تحول جذري يتجاوز تكتيكات "الحزام الأمني" التقليدية التي سادت في ثمانينيات القرن الماضي، لندخل في طور الهندسة الجيوسياسية الممنهجة التي تسعى لانتزاع السيادة اللبنانية عن منطقة جنوب الليطاني وتحويلها إلى فضاء عقيم سكانياً وعسكرياً. هذا التوسع في العمليات العسكرية الإسرائيلية، وما يرافقه من خطاب سياسي متطرف، يشي بأن إسرائيل لم تعد تكتفي بالردع، بقدر ما تسعى لفرض وقائع مادية على الأرض تمنع عودة الحياة الطبيعية إلى الجنوب اللبناني لعقود مقبلة.

 

تفكيك النوايا الإسرائيلية

تتسم النوايا الإسرائيلية تجاه جنوب لبنان في الحرب الحالية بنوع من "السيولة الممنهجة" التي تهدف لخلخلة الاستقرار الدائم؛ حيث يتم التلويح بخيارات تتراوح بين الاحتلال العسكري المؤقت والضم الفعلي للأرض بذرائع أمنية. ومن نافل القول إن الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي قد شهد انزياحاً حاداً نحو تبني "نموذج غزة" في التعامل مع القرى اللبنانية، وهو ما صرح به وزير الأمن يسرائيل كاتس بوضوح عندما أكد أن إسرائيل لن تكتفي بضرب البنية التحتية لحزب الله، لكنها ستعمد إلى تدمير القرى الحدودية بشكل منهجي يحاكي ما جرى في "رفح وبيت حانون" لمنع عودة السكان مستقبلاً. علاوة على ذلك، فإن هذا التدمير هو أداة لخلق "منطقة عازلة" بعمق الليطاني، حيث يستمر الجيش الإسرائيلي في تفجير الجسور الحيوية وفصل الجنوب عن جسد الدولة اللبنانية، مما يحول المنطقة إلى "جيب أمني" تحت السيطرة النارية المطلقة.

بموازاة ذلك، يبرز تباين جوهري بين الخطاب الأيديولوجي الذي يقوده وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش، وبين الاستراتيجية "العملياتية" للجيش. فبينما يطالب سموتريتش علناً بجعل نهر الليطاني "الحدود السياسية الجديدة" لإسرائيل، مقارناً إياها بـ"الخط الأصفر" في غزة ومرتفعات الجولان، يميل قادة الجيش إلى التركيز على "التطهير العسكري" المستمر لضمان عدم عودة "قوة الرضوان" إلى القرى الحدودية. بيد أن الواقع الميداني يكشف عن تماهٍ تدريجي بين الرؤيتين؛ إذ إن إفراغ الجنوب من نحو 600 ألف مواطن لبناني ومنع عودتهم بقرارات عسكرية صارمة يمثل "ضماً شبه فعلي" بذرائع أمنية، حتى لو لم يتم الإعلان عن ذلك قانونياً بصورة فورية.

 

كما نجد أن الجيش الإسرائيلي يتجه نحو نموذج جديد للإدارة الميدانية يقوم على "السيطرة الأمنية" بدلاً من الاحتلال الكلاسيكي الشامل. وتكشف المصادر المطلعة أن إسرائيل تسعى لاستعادة وإعادة احتلال 18 موقعاً استراتيجياً كانت تسيطر عليها قبل عام 2000، والهدف هو فرض إشراف ناري شامل يسمح بالتحكم في الميدان من دون تمركز دائم، بحيث تصبح "السيطرة بالنار" بديلاً عن السيطرة المباشرة على الأرض. هذا النموذج يهدف إلى تقليل الخسائر البشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي، وهو أمر بالغ الأهمية لدى الجيش والمجتمع الإسرائيليين، مع الحفاظ على قدرة تدمير أي محاولة لترميم البنية التحتية للمقاومة، مما يجعل الجنوب اللبناني منطقة "تجارب أمنية" مفتوحة تفتقر لأبسط مقومات السيادة اللبنانية.

تأسيساً على هذا، لم تعد إسرائيل ترى في القرار 1701 مرجعاً صالحاً، إذ هي تسعى لفرض اتفاق "أمر واقع" جديد يمنحها حرية الحركة الجوية والبرية وراء الحدود، وهو ما يفسّره القصد المتعمد في ضرب منشآت المياه والكهرباء والمنشآت الصحية لإيصال رسالة مفادها أن الحياة في هذه المنطقة باتت مستحيلة، ما يجعل النوايا الإسرائيلية تتجه نحو تأسيس "حزام أمني هجين" يجمع بين السيطرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي وبين المواقع العسكرية المتقدمة التي تعمل كـ"منطقة امتصاص" للضربات، مما يضع الدولة اللبنانية أمام معضلة وجودية تتعلق بفقدان السيطرة على حوالي عشر مساحة أراضيها.

 

"الزحف الأيديولوجي" وتآكل الخطوط الحمراء

استطراداً لما سبق، لا يمكن فهم التحول في السياسة الإسرائيلية دون النظر إلى الدور المتنامي لتيارات "الصهيونية الدينية" وحركات الاستيطان الجديدة التي بدأت ترى في جنوب لبنان "الجليل الشمالي" المستحق تاريخياً. وتعد حركة "عري هتسفون" (أيقظوا الشمال)، التي تأسست في عام 2024، رأس الحربة في هذا التحول؛ فهي لم تعد تكتفي بالخطابات النظرية، لكنها انتقلت إلى الفعل الميداني عبر إرسال طائرات مسيرة وبالونات تحمل منشورات تطالب اللبنانيين بالإخلاء تمهيداً للاستيطان. ووصل الأمر إلى محاولة إنشاء بؤر استيطانية ميدانية مثل بؤرة "مي مروم" في منطقة مارون الراس، حيث تسلل ناشطون لزرع أشجار أرز ونصب خيام، في خطوة وصفتها الصحافة العبرية بأنها "بالون اختبار" لمدى تسامح المستويين السياسي والعسكري مع فكرة الاستيطان في لبنان.

ومع أن هذه الجماعات قد بدأت كمجموعات هامشية، إلا أن قدرتها على التأثير تكمن في تغلغلها داخل الائتلاف الحاكم وارتباطها الوثيق بأعضاء في الكنيست من حزبي "الليكود" و"الصهيونية الدينية". كما أن خطاب هذه الجماعات يستند إلى نصوص توراتية لإضفاء شرعية دينية على الاحتلال، وهو ما يجد صدىً واسعاً لدى جنود الاحتياط الذين باتوا يرفعون أعلام هذه الحركات فوق المباني المدمرة في الجنوب اللبناني، مما يخلق تلازماً خطيراً بين الفعل العسكري والطموح الاستيطاني، إذ قوة هذه الجماعات تكمن في استراتيجية توسيع "حدود الممكن"؛ فهي تطرح مطالب "الاستيطان الكامل" لتجعل من "الاحتلال العسكري طويل الأمد" خياراً يبدو معتدلاً ومقبولاً للجمهور الإسرائيلي المأزوم.

 

بيد أن التحول الأخطر يكمن في قدرة هذه الحركات على تجنيد الدعم المالي والسياسي الواسع، حيث بدأت حركة "عوري هتسفون" في عام 2026 بإدارة حملات تمويل ضخمة تحت غطاء "الضرورة الأمنية"، مستغلة حالة السيولة الميدانية لفرض حقائق سياسية لا يمكن التراجع عنها، وأيضا تشتغل هذه الجماعات كـ"كاسحة ألغام" سياسية؛ فهي تروج لفكرة أن الاستيطان هو الضمانة الوحيدة لمنع حزب الله من العودة للسياج، وهو منطق بدأ يتسرب إلى عقول صناع القرار الذين كانوا يرفضون هذه الفكرة في السابق. هذا "الزحف الصامت"، مدعوماً بوجود شخصيات مثل "حاجي بن آرتزي" (صهر نتنياهو) ضمن قائمة المتحدثين في مؤتمرات الاستيطان، يمنح هذه التحركات غطاءً شبه رسمي يجعل من الصعب على الجيش تجاهلها في خططه الطويلة الأمد.

وعليه، فإن نجاح هذه الجماعات لا يُقاس فقط بعدد المستوطنات المبنية، بقدر ما ينظر إلى قدرتها على منع عودة الحياة الطبيعية للجنوب اللبناني؛ وهو ما يتحقق حالياً عبر استراتيجية "الأرض المحروقة" التي يتبناها الجيش بتشجيع من هذه الحركات، فتحويل القرى الحدودية إلى ركام، كما يحدث الآن، هو فعل "تطهير" جغرافي يمهد لولادة واقع جديد تكون فيه الأرض ملكاً لمن يسيطر عليها عسكرياً، وحتى وإن كانت فارغة من أي سكان لبنانيين أو مستوطنين، ما ينسف أي إمكانية للعودة إلى ترتيبات ما قبل أكتوبر 2023.

 

الاحتمالات والمسارات الواقعية 

بالانتقال إلى قراءة الواقع الميداني الحالي، نجد أن الطموحات الإسرائيلية تصطدم بصخرة "حرب الاستنزاف" التي يديرها حزب الله بكفاءة رغم الضربات القاسية والاغتيالات التي تنفذها إسرائيل بحقه. فبالرغم من التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي، إلا أن المقاومة لا تزال تحافظ على معدل نيران يصل إلى عشرات الصواريخ يومياً، مع امتلاك مخزون صاروخي قادر على الصمود لأشهر طويلة، هذا فضلاً عن الوجود الميداني والاشتباك المباشر بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة. وهذا الواقع العسكري يفرض على إسرائيل سيناريوهات معقدة؛ فأولها وأكثرها احتمالاً هو البقاء في "حزام أمني محدود" بعمق يتراوح بين 5 إلى 10 كيلومترات، يهدف إلى تأمين البلدات الحدودية من نيران الصواريخ المضادة للدروع، لكنه يظل عاجزاً عن وقف القصف الصاروخي المنطلق من شمال الليطاني.

أما السيناريو الثاني، وهو الاحتلال الشامل حتى نهر الليطاني وفرض إدارة عسكرية، فيواجه تحديات اقتصادية وبشرية غير مسبوقة ترهق كاهل الدولة، حيث كشفت تقارير صحافية أن كلفة الحروب المتعددة الجبهات في عام 2024 وحده، بلغت 31 مليار دولار، وهو رقم تزايد بشكل مطرد مع استمرار العمليات في 2025 و2026، مما أدى إلى عجز ميزانية فاق 6.8% من الناتج المحلي. استطراداً، فإن استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط لفترات طويلة قد عطل قطاعات التكنولوجيا والزراعة، مما يجعل من الاحتلال الدائم لجنوب لبنان مقامرة اقتصادية قد تؤدي إلى انهيار مالي داخلي إذا لم يتم التوصل إلى تسوية سريعة.

ومن زاوية أخرى، يبرز مفهوم "منطقة الامتصاص" كركيزة أساسية في التفكير العسكري الإسرائيلي الحالي؛ حيث يسعى الجيش لتحويل الشريط الحدودي إلى ساحة اشتباك دائمة بعيدة عن "الخطوط الحمراء" للمستوطنات داخل إسرائيل. بيد أن هذا الخيار يواجه معضلة "الاستنزاف البشري"؛ إذ إن البقاء في مواقع ثابتة داخل الجنوب اللبناني يجعل الجنود أهدافاً سهلة للكمائن والصواريخ الموجهة، وهو السيناريو الذي تخشاه القيادة العسكرية وتعتبره "فخاً" قد يعيد إنتاج مأساة الحزام الأمني القديم. ومن ثم، فإن الجيش يفضل سياسة "المداهمات المتكررة" والسيطرة النارية عن بعد بدلاً من التحصن في مواقع قد تتحول إلى مقابر للمدرعات.

 

وفي ظل هذا المأزق، تلعب "حساسية الوضع الدولي" دوراً معرقلاً، ولو بشكل أقل، فلم تعد العقلية الإسرائيلية الحاكمة تهتم بالإدانات الدولية، بحجج أمنها الوجودي، وهذا يظهر جلياً في خطابات نتنياهو الحادة والهجومية تجاه انتقادات قادة دول مثل إسبانيا وفرنسا، للمشروع الاستيطاني والاحتلال الطويل؛ فالمجتمع الدولي، بقيادة فرنسا والاتحاد الأوروبي، يبدي رفضاً قاطعاً لأي محاولة لتغيير حدود لبنان أو المساس بسيادته. وبناءً عليه، فإن المسار المتوقع، والأكثر ترجيحاً، يميل نحو "تجميد الصراع" في وضع هجين؛ حيث لا تنسحب إسرائيل تماماً ولا تنجح في فرض استيطان مدني واسع، وتكتفي بسياسة "الأرض المحروقة" لمنع عودة الاستقرار للجنوب، وهذا أيضاً ربما يكون في انتظار تسوية إقليمية كبرى تخص الحرب على إيران ونتائج تفاوضها، أو كما يفضل نتنياهو وحكومته الاستفراد بجنوب لبنان وفصله عن أي وضع إقليمي آخر.

نهاية، يقف جنوب لبنان، اليوم، بين مطرقة الأمن وسندان الطموحات الاستيطانية الإسرائيلية، حيث تجاوزت النوايا الدفاع عن النفس لتسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والهوية الحدودية. مشاريع الاستيطان الطموحة، المدفوعة بسرديات تاريخية وعقائدية، تصطدم بصمود المقاومة ومحدودية تأثير القوة العسكرية، ما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، وتكلف إسرائيل أثماناً باهظة، اقتصادية ودولية وإنسانية، فتظل مشاريعها في لبنان أشبه بالرهان الانتحاري، أو على الأقل الرهان المكلف، بينما يظل لبنان مطالباً بالتمسك بسيادته الكاملة ورفض أي ترتيبات تهدد جنوبه، كما يبقى، إلى الآن، جنوب لبنان عقدة جغرافية استعصت على كل محاولات التدجين، وهذه الحرب القائمة، والاشتباك اليومي، ومدى إمكانية وزمنية التوغل الإسرائيلي، ستحدد معادلة الصراع، وربما، تتشكل وفقا لقدرة من يثابر على الأرض، لا من يحرقها من الجو فقط.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث