يُشكّل مضيق هرمز حجر الزاوية في تداعيات الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على ايران، وهو كان أكبر عامل ضغط في سياق المعركة وفي الخبايا المُحيطة بالمباحثات الجارية للتسوية في إسلام آباد، بالرغم من أهمية الملفات الأخرى، ومنها خصوصاً الطموح النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وانفلاش الحلفاء. ومن المؤكد وجود أهداف غير مُعلنة للعدوان على ايران، لا سيما حاجة الرئيس دونالد ترامب لتحقيق انتصار يُفيده في الملف الداخلي الأميركي، وحاجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لفرض هزيمة على ايران، يستثمرها في الانتخابات المقبلة، وربما تنقذه من مخاطر المحاكمة.
لكن المضيق الذي أُقفل وسط حماوة المواجهة العسكرية؛ ليس منطقة ايرانية صافية، بل يحده من على ضفتيه الجنوبيتين أراضٍ عربية خالصة، وقبل العام 1926 كان عربياً بالكامل. والقوانيين الدولية صنّفتهُ ممراً عالمياً تجري فيه الملاحة البحرية بدون قيود وفق اتفاقية أعالي البحار للعام 1982، ونصف مسافة عرض المضيق البالغة 33 كيلومتراً، تُعتبر مياهاً إقليمية واقتصادية لسلطنة عمان. والشروط الإيرانية بفرض السلطة على المضيق – كما جاء في ورقة المطالب المنشورة لإنهاء الحرب – أو تقاسم النفوذ عليه مع الولايات المتحدة؛ مقاربة غير مشروعة، وتشبيح دولي موصوف، ولا يمكن أن يمرّ، مهما كانت نتائج الحرب، وذلك يُعتبر اغتصاباً لحقوق الأخرين، وتعدٍ صارخ على الإنتظام الدولي العام.
يمرُّ عبر المضيق 20 بالمئة من حاجة الأسواق الدولية للنفط، ومثلها من حاجات هذه الأسواق للأسمدة الزراعية، بينما هو ضرورة للاقتصاد الإيراني الذي يصدِّر منه المنتجات النفطية والغاز الطبيعي، ويستورد غالبية حاجات البلاد الاستهلاكية، وكذلك بالنسبة لدول الخليج العربية، فهو شريان حيوي لاقتصاداتها ولحراكها التجاري.
الدول العربية الخليجية ليست شريكة في الحرب، ولكنها دفعت فاتورة غالية، وتحمَّلت أكثر مما ينبغي من الخسائر، فالصواريخ الإيرانية استهدفت المنشآت الحيوية لهذه الدول، وغطاء الحماية الأميركية لها من خلال القواعد العسكرية المنتشرة فيها؛ كان واهياً، والقوات الأميركية لم تُقدم أي دفاع عن هذه الدول كما كان مأمولاً، وكما تنصّ عليه الاتفاقيات التي تنظِّم عمل هذه القواعد.
الصبر الاستراتيجي الذي مارسته الدول العربية المعنية، وعدم ردها على العدوان الذي طال أراضيها، انطلاقاً من مبدأ حفظ الجيرة، ولعدم دخول حرب كان لإسرائيل الباع الطولى في تفجيرها؛ لا يعني بأية حال أن هذه الدول عاجزة على الإطلاق، لكنها تلتزم بمندرجات القانون الدولي ذات الصلة. ودول أخرى كثيرة في العالم تساندها في موقفها المعارض لفرض أي رسوم على مرور السفن تتقاسمها الدول الشريكة في الحرب، والاتحاد الأوروبي في طليعة الدول المعارضة، وهو أصدر بياناً علنياً في هذا الخصوص.
فرض هيمنة أمر واقع أُحادية الجانب على مضيق هرمز، أو إخضاعه لتسويات جانبية بين أطراف لا تملك جميعها سيادة على جزء من مياه المضيق، سيكون سابقة خطيرة جداً، وسيقضي على الانتظام الدولي في الممرات البحرية الأخرى. وعندها قد تسري هذه الفوضى أيضاً على مضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق أوريسند في بحر البلطيق، وصولاً الى تهميش الاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة، وهو ما قد يدفع السلطات التركية للتحلُّل من معاهدة العام 1936 التي تنظّم العبور الحر في قناتي البوسفور والدردنيل، وقد تمتد الفوضى الى قناة بنما بين الأميركيتين.
ماذا لو أقدمت الدول العربية في الخليج على إقفال مضيق هرمز بالقوة كما فعلت طهران، بوجه السفن الخارجة من إيران أو الآتية إلى موانئها؟ وهو افتراض يدفع آليه منطق المعاملة بالمثل، حيث السلطات الإيرانية أغلقت المضيق بوجه سفن هذه الدول. هذا الافتراض الذي يكلف تطبيقه أقل بكثير من تكلفة الجهد الإيراني لذات الغاية، نظراً لطبيعة التداوير والنتوءات الجغرافية؛ سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل، وبمنسوب أكثر مما يصيب الدول العربية، ويكفي الإشارة الى أن 90 بالمئة من الصادرات النفطية الإيرانية تنطلق من جزيرة خرج من داخل مياه الخليج وتمرُّ عبر المضيق.
إن الحفاظ على الانتظام الدولي مصلحة وافرة لكل الأطراف، بمن فيهم إيران والولايات المتحدة، أما المغامرات الانفلاشية التي تتعارض مع هذا الانتظام؛ فقد تأتي بنتائج عكسية، ويمكن لها أن تُنتج فوضىً دولية هائلة يتضرر منها الجميع.
الحرب الخبيثة محطة لاستنتاج الدروس والعِبر، ولإعادة النظر بالمقاربات الانفلاشية لإيران، كما في الطموحات العدوانية لإسرائيل. والساحة العربية ليست مساحة مُباحة لدفع الفواتير، ولا هي منطقة تقاسُم مغانم لإصحاب الطموحات الخبيثة الواهية.




