بدت أوروبا، في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، مميزة بإرادتها في النأي عنها، وهي التي تعيش في ظل المعارك على حدودها الشرقية، في أوكرانيا، منذ أربع سنوات، بعد أن أشعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حربه العبثية فأصابتها بنيرانها، وسببت لها أضراراً كثيرة ما زالت تقاسيها. لذلك فضلت عدم الدخول في الحرب على إيران، فنالت غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وشتائمه لقادتها. وبينما هدد ترامب بخروج بلاده من حلف شمال الأطلسي (ناتو) لهذا السبب، وأسباب أخرى تتعلق بما تتحمله بلاده من تكاليف زائدة، فإن ثمة احتمال في أن تنتهج أوروبا نهجاً جديداً يقوم على تعزيز القوة كعامل ردع، لا يوفر لها الاستقرار المنشود من دون ترجيحها الدبلوماسية والحلول السلمية للنزاعات على حدودها وفي مناطق نفوذها. ومن هنا قد تخطو أوروبا خطوة نحو روسيا، تدفعها المنافع المتبادلة، من إبعاد شبح التهديد بين الطرفين، وصولاً إلى زيادة التعاون الاقتصادي وعودة جريان خطوط الطاقة نحو القارة الباردة.
لا يجري الحديث هنا عن حلّ حلف "الناتو" بكليته ونهاية دوره، بل عن حصول شرخٍ فيه إذا ما نفذ ترامب تهديده بالانسحاب منه، وهو الذي هدَّد بذلك مراراً خلال ولايته الأولى، ثم عاد الآن إلى التهديد مرة أخرى، مع استعار الحرب على إيران وتفاعل أزمة مضيق هرمز. فالرئيس الأميركي يرى في عدم مشاركة الدول الأوروبية في حربه على إيران خذلاناً ناله من الحلفاء، وبالتالي انكفاء لهذا الحلف، ما دفعه للقول: "الناتو سيء كلهم سيئون". قد يظن البعض أن عدم مشاركة الأوروبيين في هذه الحرب يُعدُّ تراجعاً عن دور حلف "الناتو" الاستراتيجي على الصعيد الدولي، بينما ظهر الأوروبيون وكأنهم قد فوجئوا باندلاعها في ظل انعقاد المفاوضات بين واشنطن وطهران، ولا يرون فيها ما يدفعهم إلى تفعيل البند الخاص بتفعيل آلية الدفاع المشترك وبالتالي الانخراط بها. وعلاوة على احتمال النظر إليها عملاً غير شرعي، يتعامل الأوروبيون مع هذه الحرب على أنها ليست حربهم، خصوصاً أنهم توصلوا مع إيران، سنة 2015، إلى اتفاق تسوية يخص برنامجها النووي، لكن ترامب انسحب منه، وها هو يحارب بحجته.
ربما ينجح ترامب، عبر الإصرار، في إخراج بلاده من الحلف خلال ولايته، باتباع الآليات الدستورية الطويلة المعمول بها في بلاده. عندها سيتعزز لدى دول الحلف الأوروبية التوجه نحو بناء قوة أوروبية على شاكلة جيش موحد، وزيادة الإنفاق العسكري والاستثمار في التقنيات العسكرية، من أجل سد الفراغ الناتج عن الانسحاب الأميركي منه، وللاستعاضة عن غياب المظلة الأمنية الأميركية التي اعتادوا على ظلالها، على مدى أكثر من ثلاثة أرباع القرن. كما قد يجري التوجه إلى الاستعاضة عن تلك المظلة عبر الاعتماد على الردع النووي لقوى نووية أوروبية، خصوصاً فرنسا وبريطانيا. وطُرحَ هذا الخيار للنقاش بين خبراء الأمن الأوروبيين، حين شن الرئيس الروسي حربه على أوكرانيا، وجرى التداول في أشكالٍ من التنسيق بين الجيوش، وصولاً إلى تشكيل قوة مشتركة أو جيش واحد، وغيرها من الأفكار.
ليس أمام أوروبا والحال هذه سوى التركيز على مسألة تسوية النزاعات التي تجد نفسها معنية بها، خصوصاً قضية أوكرانيا، لمنع توسع الصراع، وبوصفها عاملاً حاسماً يحدد طبيعة العلاقة بين أوروبا وروسيا التي تحتاج أوروبا وتحتاجها أوروبا، ما يستدعي إيجاد حل، عبر بلورة خطة أوروبية تقوم على الأفكار التي تقدَّم بها قادة القارة سابقاً. لذلك ربما تجري العودة إلى فكرة حياد أوكرانيا، لكن مع ضمانات أمنية أوروبية، إلا أن هذه لا يعتدّ بها سوى بعد بروز أوروبا قوةً مستقلةً عن الولايات المتحدة. ولكي تتبلور الفكرة أكثر وتصبح مقبولة للطرفين الروسي والأوكراني، تحتاج للعمل على بناء الثقة عبر خطوات منها وقف تمدد الناتو نحو حدود روسيا، وعدم نشر قوات أوروبية قرب حدودها، والاتفاق على نظام أمني يُرضي الطرفين، مع ضرورة أن يترافق ذلك بخطوات وتعهدات من روسيا لتعزيز هذه الثقة.
ولكن تزداد هذه المهمة صعوبةً بعد الوقائع المستجدة التي فرضتها الحرب، خصوصاً احتلال روسيا لمناطق من أوكرانيا، والتي باتت معضلة زادت من تعقيد القضية، مع إصرار أوكرانيا على استعادتها، وإصرار روسيا على الاحتفاظ بها، لعوامل نفسية تتعلق بالكرامة الوطنية للطرفين. إلا أن الضرورة، والحقائق التي باتت واضحة للطرفين، من ناحية صعوبة حسم الحسم في الميدان، تفرض التوصل لتسوية، ربما أقرب شكلٍ لها هو تجميد الحرب، فلا منتصر ولا منكسر، ربما بانتظار نضوج الظروف لإجراء استفتاء تحت إشراف دولي يسمح لسكان هذه المناطق أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم.
وتساعد عدة عوامل على تمرير هذه التسوية، منها الحاجة الطبيعية لروسيا لوقف الاستنزاف البشري والمادي. كذلك حاجتها للعودة إلى المجتمع الدولي بعد رفع الحصار عنها، ورفع العقوبات الأوروبية أو تخفيفها، من أجل عودة تصدير الغاز والنفط لأوروبا، وهو ما تحتاجه أوروبا بعد اضطراب سوق الطاقة العالمي نتيجة الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز. أما بالنسبة لأوكرانيا، فليس من الممكن أن تستمر أوروبا في دعمها عسكرياً ولوجستياً إلى ما لا نهاية، خصوصاً أن بوتين يمكن له أن يستمر في حربه حتى آخر جندي روسي، ما دام لا يوجد ما يردعه من داخل نظامه، أو مؤسسات البلاد التشريعية التي يسيطر عليها كلها.
قد لا يتوفر لأوروبا فرصةً أفضل من فرصة انسحاب ترامب من "الناتو"، لكي تعيد الاعتماد على نفسها، وتوحد جهودها الدفاعية والدبلوماسية من أجل حل النزاع في أوكرانيا، والمساهمة في حل النزاعات الدولية أو منع اندلاعها. ويوفر لها أيضاً عدم انجرارها إلى حروب أميركية مستقبلية، بعدما ثبت للجميع بعد الحرب على أوكرانيا وإيران، أن الحرب ليست سمة هذا العصر، وأن الأضرار التي تحصل بسبب الحروب باتت تصيب حتى من ليس طرفاً بها. لذلك ربما قد يكون عدم انضمام أوروبا إلى الحرب على إيران، أحد العوامل التي دفعت ترامب إلى وقف خطته تدمير إيران وإعادتها للعصر الحجري، والتوجه إلى طاولة المفاوضات في باكستان من أجل التوصل إلى حل.




