محظوظ جداً الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصاً فيما يتعلق بذاته، أما الآخرون فتتولى السماء أمرهم بعدما يتركهم ترامب خلفه، ليحتفي بانتصارات يظنها مجانية!!
لم يكن مضيق هرمز بين قضايا الخلاف الأميركي-الإيراني إلى أن استدعته تداعيات حرب انخرط فيها ترامب ذاته بالشراكة مع رفيق دربه رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي استطاع إقناعه بالذهاب إلى حرب خاطفة ضد إيران وعده أن تتغير بعدها خريطة الشرق الأوسط بأكمله!
اعتصم الإيرانيون في مضيق هرمز، فيما كانت سبل النجاة تنغلق بإحكام أمامهم، هددوا بإغلاقه في وجه الملاحة العالمية، ثم احتالوا حتى أغلقوه، تارة بالمنع المادي، وتارة بالمراهنة على خوف الناقلات العملاقة، وشركات التأمين البحري، ثم جربوا البلطجة، تحت شعار سبقهم إليه الفنان المصري عادل إمام في فيلم سلام يا صاحبي: " شخلل عشان تعدي"!!
هناك بعض من "شخللوا" خشية الخسارة، وبعض من رفضوا مبدأ الخضوع للإتاوات، لكن المشهد برمته بدا ملهماً لإيرانيين يتحرقون شوقاً لاستنشاق عبير الدولار، والضغط على عملة النفط العالمية (البترودولار)، باشتراط ان تكون إتاوات العبور من المضيق، بعملة اليوان الصيني، أو اليورو الأوروبي بحسب الأحوال.
لم يدُر بخلد الإيرانيين، ولا بخلد العالم، أن تضغط أزمة مضيق هرمز على من ضاقوا بها، حتى يصبح المرور من المضيق عملاً سيادياً يتيح لإيران جباية رسوم بمقدار ما يساوي مليوني دولار باليوان الصيني، أو باليورو الأوروبي، عن كل ناقلة عملاقة تريد عبور المضيق.
رمى الإيرانيون ورقة الرسوم، هكذا، في هواء الأزمة، فالتقطها الحريف دونالد ترامب، الذي سارع إلى تبني الفكرة لتحصل إيران على عوائد مرور لم تحلم بها، مقابل أن تخصص هذه العوائد لإعادة إعمار ما دمرته طائرات ترامب وصواريخه من مشروعات البنية التحتية الإيرانية، أي أن ترامب يدمر والعالم يدفع صاغراً.
يعرف ترامب أن إعادة الإعمار، والتعويضات عن الأضرار التي لحقت بمشروعات البنية التحتية بطول خريطة إيران وعرضها، هي مسؤولية الطرف الذي يبدأ الحرب، ويعرف أن العالم كله يعرف أنه هو من بدأ الحرب بالاشتراك مع اسرائيل، وأنه بموجب القانون الدولي سيُصبِح مسؤولاً عن تقديم تعويضات مناسبة لإيران التي تضررت بنيتها بشدة من تأثير ضربات انتهك بها ترامب وتابعه نتنياهو أبسط مبادئ القانون الدولي، ولهذا سارع ترامب إلى المشاركة في تبني فكرة جباية رسوم عبور المضيق لصالح إيران، وتوظيف قيمة متحصلات الرسوم لصالح إعادة إعمار ما خربته الضربات الأميركية والاسرائيلية داخل إيران.
ينشغل ترامب في الأزمة، بفرص حصد المال، لكن الإيرانيين ليسوا أقل انشغالاً منه بذلك، ولا يمكنني فهم السر وراء إصرار إيران على مواصلة قصف مشروعات البنية التحتية في الإمارات والكويت والبحرين، رغم إعلان الاتفاق على بدء سريان وقف اطلاق النار، والذي تعهدت اسرائيل بسببه بوقف عملياتها داخل إيران والتزمت بالفعل، لكن إيران واصلت قصف دول الخليج، حتى تحتفظ بفرصة ابتزاز كل دولة خليجية على حدة.
أغلب الظن أن القصف الإيراني لأهداف عربية في الكويت والإمارات والبحرين، يعمد إلى تهيئة المجال لمحادثات هدنة أو صلح مع كل دولة خليجية على حدة بما يسمح لطهران بابتزاز كل طرف عربي على حدة، ولا أرى لإحباط خطط طهران سوى بناء موقف تفاوضي واحد خليجي-عربي-إسلامي، لا يدع فرصة أمام طهران لابتزاز أطراف عربية في الأزمة، بمفاوضات تحت النار،لا يمكن أن ينتصر فيها الموقف العربي ما لم يصبح موحداً، وأظن أن لدى الدبلوماسية السعودية بنسيجها المخملي القوي ما يتيح للمملكة تبني هذا الدور والاضطلاع بمتطلباته.
صواريخ إيران إنهالت على أهداف في دول الخليج العربية بدعوى أن هذه الدول تحتضن قواعد أميركية، لكن اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وأميركا، لم يشمل تلك الدول بنظر إيران ذاتها، الأمر الذي يستدعي القلق بشأن مستقبل علاقة طهران بجوارها العربي، ويستثمر قلقاً مشروعاً، ومخاوف مبررة، بشأن استقرار الخليج وأمن دوله.
يستثير عندي القلق تلك الطريقة التي جرى بها الإعلان عن اتفاق ثنائي (أميركي-إيراني) لوقف اطلاق النار، دون اهتمام ملموس بمصالح وأمن دول عربية تضررت بالحرب، دون أن تذهب إليها أو تعلنها أو تتبناها.
لا بديل لتوقي الآثار السلبية المُحتملة لاتفاق وقف اطلاق النار بين أميركا وإيران، سوى بمشاركة أطراف خليجية معتبرة لا بد أن تكون السعودية بينها، في مفاوضات إسلام آباد المقبلة.
المشاهد المقبلة في غرف التسويات الاقليمية وحتى الدولية، ينطبق عليها بالضرورة المثل المصري القائل: "الغايب مالوش نايب"، أي أنه لا نصيب ولا حصة للخليج إن غاب عن مفاوضات اسلام آباد وكل ما سوف يليها من مفاوضات.
استعدوا بالرؤية وبوحدة الموقف وبسلامة الاختيار وبحسم القرار، فالآتي مروع إن لم نبسط رؤيتنا له، ونحشد قدراتنا خلفه.




