التخبط الإسرائيلي في لبنان بعد المفاجأة

حلمي موسىالخميس 2026/04/09
Image-1775656120
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أن تبدأ الحرب الأخيرة على لبنان، ساد اعتقاد في إسرائيل بأن نهاية حزب الله باتت وشيكة وأنه فقد معظم، إن لم يكن كل، مقدراته بعد الضربات التي تلقاها. وكثرت التهديدات على لسان سياسيين وعسكريين بأنه إذا لم تفلح الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله، فإن الجيش الإسرائيلي جاهز لفعل ذلك. غير أن هذه التهديدات سرعان ما بدت كأنها مجرد أوهام بعد أن أظهر حزب الله قدرات فاجأت الإسرائيليين بشكل كبير، خصوصاً بعد اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي. 

ودفعت ردود فعل حزب الله التالية، كثيرين لانتقاد حكومة نتنياهو وقيادة الجيش الإسرائيلي على فتح "جبهة ثانية"، لدرجة قادت رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق الجنرال غيورا آيلاند، لاعتبار ذلك "خطأً استراتيجياً ربما". وقد تعاظمت هذه الانتقادات، خصوصاً بعد الإعلان عن اتفاق لوقف النار بين إيران وأميركا لمدة أسبوعين على أن يشمل لبنان أيضاً، وهو ما تتنكر له إسرائيل.

 

نزع سلاح الحزب

وفيما بدا المشهد من لبنان مناقضاً لما أشاعته الأوساط السياسية والعسكرية من آمال في صفوف الإسرائيليين عموماً، وسكان مستوطنات الشمال خصوصاً، برز التخبط بشكل أساسي في ناحيتين مركزيتين: هل نزع سلاح حزب الله هدف مركزي للحرب؟ وهل من مصلحة إسرائيل إنشاء حزام أمني واسع أم ضيق؟ وأطلق وزير الأمن يسرائيل كاتس، وبعده قادة في الجيش، تصريحات متعددة عن نزع سلاح حزب الله وعن مدى اتساع الحزام الأمني الذي "بات مفروغاً من ضرورة إقامته". غير أن تطورات القتال فتحت السجال على مصراعيه بين أنصار هذه الفكرة أو تلك وخصومها.

وليس مصادفة أن يقود سياسيون من اليمين المتطرف، ممن كان بعضهم يطالب ليس فقط بإنشاء منطقة أمنية واسعة في جنوب لبنان، وإنما أيضاً بالاستيطان هناك، الدفع نحو إبقاء نزع سلاح حزب الله هدفاً مركزياً. ولذلك نرى أن أهداف الحرب في لبنان صارت جزءاً من اللعبة السياسية الداخلية لائتلاف يقترب من موعد انتخابي، ويشعر أن المواقف الأشد يمينية مغرية انتخابياً للشباب الإسرائيلي. 

ولذلك وبعد تصريحات من بعض قادة الجيش حول عدم اعتبار نزع سلاح حزب الله جزءاً من أهداف الحرب، اعتبر 18 عضو كنيست في عريضة رفعوها، أن الخطة العملياتية للجيش الإسرائيلي "خطأ استراتيجي فادح وخطر جسيم". وانطلقوا في ذلك من إعلان الجيش خطته القاضية بإنشاء حزام أمني في لبنان، وعدم إدراج نزع سلاح حزب الله فيها. وطالبوا الحكومة بالتصويت لصالح "القضاء التام على حزب الله، ورسم خط حدودي أمني جديد، وإجلاء جميع السكان من جنوب الليطاني".

 

تضارب الأهداف داخل إسرائيل

هذا الأمر استدعى تجاوبا من كاتس، حيث أعلن أنه "في نهاية العملية، سيتمركز الجيش الإسرائيلي في منطقة أمنية داخل لبنان، على خط الدفاع ضد الصواريخ المضادة للدبابات، وسيُسيطر أمنياً على المنطقة بأكملها حتى الليطاني". وأضاف أنه سيتم منع عودة أكثر من 600 ألف من سكان جنوب لبنان الذين تم إجلاؤهم شمالاً، إلى جنوب الليطاني منعاً باتاً. وحسب قوله، سيستمر الحظر "إلى حين ضمان أمن وسلامة سكان الشمال، وهدم جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان - على غرار نموذجي رفح وبيت حانون في غزة".

ويصطدم كلام كاتس بما يعلنه قادة الجيش، خصوصاً بعد مفاجأة حزب الله لهم بإظهاره قدرة صمود لم يتوقعوها. إذ اعترف قائد الجبهة الشمالية الجنرال رافي ميلو، في معرض حديثه عن حزب الله، بأن "هناك فجوة بين ما كنا نعتقد وما وجدناه". إذ وجد الجيش الإسرائيلي نفسه يحاول القيام بدفاع أمامي، بينما يتصدى يوميا لـِ 250 صاروخاً من أنواع مختلفة أطلقها حزب الله من شمال نهر الليطاني باتجاه القوات والمستوطنات الإسرائيلية.

 

ووفق ما ينشر في الإعلام صار الجيش الاسرائيلي يركز أساساً على إنشاء "شريط أمني ضيق لا يتجاوز بضعة كيلومترات،" بل إن بعض القادة صاروا يتحدثون علناً عن التمركز على خط "يحمي فقط المستوطنات الشمالية من مضادات الدروع". وكان موقع "واللا" قد نشر تقريراً يظهر أن الجيش الإسرائيلي يغير مساره، بعد أن كان أعلن عزمه نزع سلاح حزب الله، صار يؤكد أن أهداف الحرب هي في المقام الأول إضعاف التنظيم بشكل كبير وإنشاء خط دفاعي عميق وهدم عشرات المنازل في الصف الأول من القرى، وإنشاء ما يشبه الخط الأصفر في قطاع غزة. بل نقل الموقع عن قادة من الجيش قولهم: "علينا أن نكون متواضعين في هذا الشأن"، فالوضع الراهن معقد، وأنه لنزع سلاح حزب الله، من الضروري السيطرة على لبنان بأكمله والوصول إلى كل قرية. وفي الوضع الراهن، يرى الجيش الإسرائيلي أن تحديد مثل هذا الهدف خاطئ، وأن الهدف هو إضعاف المنظمة بشكل كبير.

 

تقسيم جنوب لبنان

ويوضح الجيش الإسرائيلي أن انتشار قواته سيختلف هذه المرة عن الحزام الأمني السابق، حيث سيعتمد على الدفاع المتحرك بدلاً من الانتشار البري العميق. وسيتم تقسيم منطقة جنوب لبنان إلى قسمين: منطقة "السيطرة" ومنطقة "الأمن". تشير منطقة السيطرة إلى خط القرى الأول حيث سيتم تدمير البنية التحتية، بينما ستعمل القوات في منطقة الأمن - الواقعة في عمق المنطقة، على بعد بضعة كيلومترات داخل لبنان - بنظام دفاع متحرك. وفضلا عن فرقة احتياطية، تشارك حالياً أربع فرق في العمليات في جنوب لبنان - الفرق 91 و146 و36 و182، اثنتان منها في الدفاع الهجومي، واثنتان أخريان تعملان على خط الحدود، لترسيخ احتلال المنطقة وتفجير بيوتها وتطهيرها من عناصر المقاومة ومخازن أسلحتها.

وكان رئيس شعبة العمليات السابق في قيادة الجبهة الشمالية العميد إسرائيل زيف، قد فسّر تردد القيادة العسكرية في توسيع العمليات البرية في لبنان في مقالة نشرها في "معاريف"، جاء فيها: "إن الوضع المتردي في لبنان، الذي نعرفه جيداً، لم يتغير، بل ازداد سوءاً. حزب الله، بعد الضربات التي تلقاها، عاد من كونه جيشاً إلى منظمة حرب عصابات. إنه يختبئ ويُلحق الضرر بقوات الجيش الإسرائيلي في كل فرصة سانحة. يجب على الجيش الإسرائيلي ألا يقع في فخّه ويخلق لنفسه أهدافاً سهلة. إن أي تقدم إضافي شمالاً ونشر أعداد كبيرة من القوات، سيصب في مصلحة وحدات حزب الله في الميدان".

أما الجنرال غيورا آيلاند، فقد حذر في مقابلة مع إذاعة "103 إف إم"، من "ارتكاب خطأ استراتيجي"، ومن "الإفراط في الانتشار"، ولاحظ أن أساس الخطأ نبع من انتهاز إسرائيل رد حزب الله على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني لاستكمال "ما عجزنا عن إنجازه قبل عام ونصف في لبنان". وأضاف "لا يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كان استغلال الفرصة في لبنان خطأً استراتيجياً". وفي نظره، "لا يمكن خوض حرب طموحة كهذه ضد إيران، ونحن لا نعلم إلى متى ستستمر، وفي الوقت نفسه فتح جبهة في لبنان". انظروا إلى ما يحدث في المستوطنات الشمالية، نرى معاناةً هنا".

 

مواء القطط

ووفق المعلق العسكري في "معاريف"، آفي أشكنازي فإنه بعد "38 يوماً، عجز الجيش عن تحقيق مكاسب عسكرية تُؤدي إلى انهيار الطرف الآخر. لا نرى انخفاضاً في عمليات الإطلاق. لا نرى ضغطاً حقيقياً في بيروت على الحكومة اللبنانية. لا نرى انهياراً لتشكيلات حزب الله ". وفي نظره، " تواجه إسرائيل مشكلة خطيرة. أولاً، لم تكن دولة إسرائيل وجيشها على أهبة الاستعداد لهذه الحملة. وصلوا وهم يعانون من نقص حاد في المعلومات الاستخباراتية، ونقص في الطائرات، وضعف في التنظيم في القيادة الشمالية، ومشاكل خطيرة في قيادة الجبهة الداخلية، وأخيراً، مشاكل دعائية في وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. كان الجيش الإسرائيلي يعتزم تنفيذ عملية واسعة النطاق في لبنان قبل التوجه نحو إيران. كانت الخطة الأصلية تقضي بمهاجمة لبنان شتاءً وإيران صيفاً، لكن المظاهرات في طهران دفعت الجيش إلى تغيير مساره وتجميد خطة الهجوم على لبنان والمضي قدماً في الهجوم على إيران".

عموما بات العديد من المعلقين الإسرائيليين يتحدثون بخيبة أمل عن هذه الحرب، حيث يشير بعضهم إلى أن هذا "ليس زمن المعجزات" وأن نتنياهو يحاول "تقديم صورة زائفة للنصر"، بل أن بن درور وهو يميني في "يديعوت أحرونوت"، تحدث عن نهاية زمن الانتصارات. وخلص يانيف كوبوفيتش في صحيفة "هآرتس"، إلى أن التقارير الاستخباراتية الحالية وتقييمات الجيش الإسرائيلي تشير إلى أن حزب الله لا يزال يعمل في جنوب لبنان ككيان عسكري منظم يتمتع بقدرات قيادة وسيطرة. لكن آفي أشكنازي الذي هلّل كثيراً للحرب اضطر لعنونة مقاله الأخير: "من زئير الأسد إلى مواء القطط".

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث