"الأسد" الإسرائيلي يجر أميركا نحو "الظلام الأبديّ"

ملاك عبد اللهالخميس 2026/04/09
Image-1775752715
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أربعين يوماً على اندلاعها، دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رسمياً في مرحلة جديدة، إثر التوافق الأميركي-الإيراني الأولي المعلن على هدنة لمدة أسبوعين برعاية باكستانية، والتي كان من المفترض من حيث المبدأ أن تتوّج باتفاق ينهي حالة الحرب العسكرية، كما حالة الانسداد السياسي التي سبقت الحرب لسنوات بين البلدين. لكن يبدو أن مشهد الاحتفاء الذي رافق الإعلان عن بدء سريان الهدنة لم يكن سوى حلقة شديدة الغموض في مسلسل الحرب المعقد. 

لعل الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، هو تاريخ فيصل لا للعلاقة ما بين أميركا وإيران وحسب، بل لطبيعة العلاقات الدولية برمّتها. وإذا كان هذا التاريخ يمثل ذروة القوة والنشوة الأميركية والإسرائيلية منذ ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، بل ذروة التعاظم الترامبي النتنياهوي إن جاز التعبير، فإن ما بعده قد أسّس لبداية تخبّط الـقطبين، إن لم نقل لبداية السقوط السياسي المحتمل لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، اللذين قد يدفعان لاحقاً ثمن مغامرتهما غير المحسوبة الأبعاد، مهما كان المصير الحالي للمفاوضات أو للحرب الدائرة.

 

على أن التعرية التي رافقت هذه الحرب على مجمل الصعد سواء أميركيا وإسرائيليا وعربياً وإيرانياً، سيكون لها آثارها السياسية العميقة، وسترتسم معها ملامح عالم ما بعد مضيق هرمز، إذ أسّس الواقع المستجد في المضيق صفحةً جديدة في القاموس السياسي العالمي، تغدو فيه الممرات البحرية سلاحاً لا يقل أهمية عن القنبلة النووية، لا من حيث استثماره ردعياً فقط، بل من حيث قدرته على إعادة هندسة التوازنات والحسابات الإقليمية والعالمية بل وإعادة فرض ظروف سياسية معينة تتيح مناورة كاملة في سبيل تحقيق المصالح. هكذا حجزت إيران المنهكة لنفسها موقعاً مختلفاً، يُحسب له الحساب بالضرورة، وهو بالمناسبة الموقع الذي تخوفت من بلوغه معظم التحليلات التي سبقت "ملحمة الغضب" محذّرةً من عواقبها العكسية.

غير أن ما تبدّى حتى الآن من البنود العشرة التي تطالب بها إيران يؤكد على فكرة العواقب العكسية هذه، إذ بات الإنجاز الأميركي عملياً مقتصراً على حل مشكلة عدم إغلاق هرمز، وهي مشكلة مستجدة ما بعد الحرب، ولم تكن مدرجة في أهدافها. أما ما يتعلق بالأهداف، فمن الواضح أن إيران تحاول كسر الهيبة الأميركية عبر تقويض غايات الحملة العسكرية عن أن تتحقق، حتى الآن. وصحيح أن الضرر الذي حلّ في الداخل الإيراني كبير جداً بل هائل، غير أن الاستعجال الأميركي أمام الداخل الشعبي في القبول بالبنود العشرة كأساس قابل للتفاوض، خصوصاً قبل موعد الثامن والعشرين من نيسان/أبريل حيث يصبح البت بأمر الحرب بيد الكونغرس، لا تشي سوى بمأزق أميركي يحاول ترامب الهروب منه حتى وإن استتبع الهروب استفراداً إسرائيلياً بحلبة الصراع، وحتى ولو تطلّب الأمر تركاً أميركيا للمشهد المشرقي من أجل جذب كل المتضررين إليه عنوةً وإجبارهم على التدخل.

 

هكذا، وبعد تهديدات ترامب بإزالة الحضارة الإيرانية، وبعد الكثير من الضجيج الصوتي الذي كتب عنه المحللون في أميركا وأشبعوه انتقاداً من باب انكشاف الصورة البشعة لأميركا وارتداد ذلك سلباً على أهدافها ومصالحها، يبدو أن ما كان يمنّي ترامب نفسه به من هيمنة مطلقة على الشرق الأوسط ونفطه وطرق الملاحة فيه قد ينقلب انكفاءً أميركياً عنه في اللحظة التي يغدو فيها هذا الشرق مستنقعاً لا كنزاً. وهذا أكثر ما تخافه إسرائيل، التي ستظل تحاول استدراج ترامب إلى مربع مصالحها علّها تنقذ نفسها وتنقذه معها بطريقة أو بأخرى. الجدير ذكره هنا أنه في ورقة عمل مشتركة، رسم منذ أيام مدير معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب القائد الأسبق للاستخبارات العسكرية، الجنرال في الاحتياط تامير هايمن، والباحث الخبير بالشؤون الإيرانية راز تسيمت، الخطوط العامة لاستراتيجية إسرائيل في مواجهة التهديد النووي الإيراني بعد انتهاء الحرب. هما خلُصا إلى أن مبادرة المفاوضات المطروحة من قبل الولايات المتحدة والتي من شأنها أن تنهي الحرب تلزم بتعريف واضح للمصلحة الإسرائيلية في مجال المشروع النووي الإيراني. ويريان أن إنهاء الحرب سيضع إسرائيل والمجتمع الدولي أمام واقع استراتيجي جديد حيال إيران، ويرجحان أن النظام الإيراني سيبادر بعد صموده لتبنّي عقيدة أمنية قومية تستند على سلاح نووي، ولذلك يستنتجان بضرورة أن تعاند إسرائيل وتصمّم على تفكيك تام للبنية التحتية الخاصة بتخصيب اليورانيوم والقدرات التكنولوجية ذات الصلة، كشرط حيوي لإنهاء الحرب سواء في المسار الدبلوماسي أو المسار العسكري.

 

هي خطوط حمراء يمكن أن تفسر ردة الفعل الإسرائيلية العنيفة تجاه لبنان يوم الأربعاء الأسود ، والتي قابلت الإنكفاء الأميركي بـ"ظلام أبدي" تريده اسرائيل على الدولة اللبنانية ككل، كبديل حقيقي ربما عن إضعاف طهران. وهي بالمناسبة تسمية تذكّر بضربة "الظلام الدامس"، التي أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على هجوم سابق على اليمن، وهي تسمية تُحال إلى سفر الخروج الذي ترمز فيه العبارة إلى العقوبة التي أنزلها إله إسرائيل بمصر وفرعونها، حيث "تغرق منازل الأعداء في الظلام وتبقى منازل بني إسرائيل مضاءة". وهذا ما يحيل بدوره إلى خطاب العودة إلى العصر الحجري الذي استخدمه ترامب، وبات دارجاً في السياق التحليلي الإسرائيلي، حيث طالب العقيد الإسرائيلي هنزي نجاما بأن يستكمل ترامب وعوده ويقطّع أوصال إيران ويدمر خطوط السكك الحديدية كما الجسور ومنشآت الطاقة ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تأخير قدرتهم على امتلاك سلاح نووي لسنوات طويلة. 

وفي هذا السياق أيضاً، سيبدو لافتاً كلام نائب رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق عوزي دين الذي دعا إلى مطالبة لبنان كدولة ما يُطلب من إيران كدولة، وإلى استهداف لبنان كدولة على اعتبار أن تدميره أسهل بأضعاف على حد قوله من تدمير إيران كما أنه أقرب جغرافياً. 

 

وبعد حجم التعليقات الهائلة والسلبية في وسائل الإعلام العبرية وبعض المحللين على اتفاق الهدنة، والذي جعل البعض في الداخل يقول بأن اسرائيل انتقلت "من زئير الأسد إلى مواء القطط"، يبدو أن إسرائيل ستجر ترامب لتعيده إلى مخطط "العصر الحجري" سواء في إيران أو لبنان، خصوصاً بعدما اعتبرت بعض الأواسط أن إيران بقبولها هذا الشكل من الهدنة المؤقتة قد قدّمت نوعاً من التنازل الأولي الذي يعكس إنهاكاً إيرانياً معيناً. وهذا ما أشار إليه نتنياهو الذي أضاف في كلمته أمس، أنه يعمل على بناء تحالفات جديدة في الشرق الأوسط. ما يحيل إلى الطلب الإسرائيلي مؤخراً بقوات عربية تعمل على نزع سلاح حزب الله، وما يذكّر بمقالة سفير الإمارات لدى الأمم المتحدة يوسف العتيبة في صحيفة "وول ستريت جورنال" الذي دعا فيه إلى بذل كل ما يمكن بذله لتدمير المقدرات الصاروخية الإيرانية وعدم الاكتفاء بما تحقق، وقال فيها بأن الإمارات مستعدة للمشاركة في حملة لفتح مضيق هرمز. بالإضافة إلى ما ذكرته صحيفة "واشنطن بوست" قبل أسبوع، بأن دول الخليج كلها باستثناء سلطنة عمان تضغط لأجل عدم إنهاء الحرب قبل إنهاء المهمة. 

وإذا قُرنت كل هذه المعطيات بالمعطى الذي استجدّ أمس بعد ضرب بئر نفط في إيران عقب الاتفاق على الهدنة، وتنصّل كل من أميركا واسرائيل من المسؤولية عن ذلك، والتلميح لمسؤولية عربية في هذه الحادثة بالتحديد، كما في حوادث سابقة خلال التصعيد العسكري، فقد يوحي المشهد الآتي بأننا أمام عودة للحرب ولو بأدوات اسرائيلية أو غيرها، وأن لبنان بات الخاصرة الرخوة التي ستعيد تفجير الأحداث بما ينبئ بمخاطر جمة، ودون أخذ بالاعتبار لعدد وطبيعة انتماء الضحايا المدنيين. وقد كتب جدعون ليفي مؤخراً، أن هناك شهوة دم لا قرار لها في اسرائيل، كما كتب الحاخام ستيوارت رايس في صحيفة "جيروزاليم بوست"، أن الإيرانيين هم النموذج المثالي للعماليق الذين تحرض التوراة على قتالهم.

 

ما يجري لا يمكن قراءته فقط من زاوية الحسابات الجيوسياسية التقليدية، بل يعكس أيضاً خللاً عميقاً في طبيعة القيادة السياسية حيث تمتزج النزعة الشخصية المتطرفة مع الشعور المطلق بالقوة إلى جانب توظيف ديني يمنح قرارات الحرب طابعاً رسالياً خطيراً". هذا ما قاله الاقتصادي والأكاديمي الأميركي جيفري ساكس، وهذا بالضبط ما يجعل احتمالات أن تستكمل الحرب مجرياتها يفوق احتمالات أي تسوية محتملة، ولا سيما أن ترامب ما عاد أبهاً بمصلحة أميركا، ولا بمصلحته كرئيس لأميركا فقد حقق كل ما يريده من باب كونه الاستثناء اللافت والمثير في التاريخ الأميركي، بل هو أبه بمصلحته الشخصية كتاجر ومقامر وصانع صفقات، في ظل معطيات وأرقام تشير إلى أن حيتان المال تجني أرباحاً خيالية، بحيث يُسجل تداولات غير اعتيادية في أسواق الأسهم والطاقة ما يعزز الحديث عن احتمال وجود استثمارات مبنية على معلومات داخلية مسربة في وقت تتصاعد فيه أرباح شركات السلاح وغيرها، والتي لترامب وأقربائه وحلفائه نصيب منها!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث