في ظل الحديث عن الغليان المستمر لأكثر من أسبوع في الجنوب السوري، ننطلق من نقطة أساسية مرتبطة بالشارع السوري حيال إسرائيل إذ يُظهر المؤشر العربي للرأي العام في سوريا الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فجوة واضحة بين المزاج الشعبي والمسارات السياسية المطروحة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 74% من السوريين عيّنة البحث، يرفضون الاعتراف بإسرائيل، ويرى 88% أنها تشكّل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار سوريا، كما يعتبر 78% من السوريين سياسات إسرائيل مهدِّدة لأمن المنطقة، ويصنّف نحو 50% سياسات الولايات المتحدة ضمن دائرة التهديد، وهذا ما يعكس إدراكاً مجتمعياً يضع الفاعلين الرئيسيين ضمن معادلة الخطر الإقليمي.
في هذا السياق، يتقدّم مسار التنسيق الأمني والتهدئة ضمن تعريف جديد للأمن يقوم على إدارة الضربات وضبط الاحتكاك وتنظيم التوغلات، خصوصاً في الجنوب السوري، ويتزامن ذلك مع طرح مشاريع اقتصادية-أمنية تشمل إنشاء منطقة مشتركة، مع تقديرات بزيادة الناتج المحلي بنحو 4 مليارات دولار (قرابة 20%)، وإضافة 800 ميغاواط من القدرة الكهربائية، وتوفير 15 ألف فرصة عمل، وتقليص الاعتماد على الأدوية المستوردة بنسبة 40%. تعكس هذه المعطيات مفارقة بنيوية تتمثل في انتقال مقاربة الاستقرار نحو أدوات اقتصادية وأمنية في ظل إدراك شعبي يربط الأمن بالسيادة، ما يدفع هذا المسار إلى العمل كصيغة لإدارة التوتر وشراء الوقت، مع استمرار التباعد بين مستوى القرار ومستوى القبول الاجتماعي.
الجنوب السوري من جديد
يمكن النظر إلى حالة غليان الجنوب السوري على انها أكبر من مجرد تصعيد حدودي وأعمق من سلسلة غارات إسرائيلية، لأن القنيطرة وغرب درعا وسفوح جبل الشيخ وريف دمشق الغربي تحولت إلى حزام ضغط متصل، حيث تتداخل الجغرافيا العسكرية، والتشرذم الذي أعقب سقوط الأسد، والحرب الحالية على حزب الله، والمواجهة الأميركية الإسرائيلية الأوسع نطاقاً مع إيران. يكشف تتبّع وتيرة التوغلات الإسرائيلية منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 عن تصاعد تدريجي ثم تسارع حاد في النشاط العسكري، حيث سُجّل 14 توغلاً حتى نهاية عام 2024، ثم ارتفع العدد خلال عام 2025 من 4 توغلات في كانون الثاني إلى ذروة بلغت 90 توغلاً في تشرين الثاني قبل أن يستقر عند 76 في كانون الأول، بينما واصل المنحنى التصاعدي في مطلع 2026 مع 51 توغلاً في كل من كانون الثاني وشباط و68 في آذار، قبل أن ينخفض مؤقتاً إلى 6 توغلات في نيسان، وهو مسار يعكس نمط ضغط عسكري متدرج ومتنامٍ على الأرض، في مقابل حالة غياب التفاعل الرسمي السوري، ما يضع المدنيين ضمن بيئة أمنية شديدة الهشاشة تتقاطع فيها التوغلات المتكررة مع تصاعد التعقيد الميداني. ازداد عنف التوغلات البرية الإسرائيلية المتكررة، لتشمل نقاط تفتيش مؤقتة، واعتقالات مدنيين، وتفتيش منازل، وتحركات على طول الطرق التي تربط قرى في القنيطرة وغرب درعا، في حين توسعت العمليات الإسرائيلية أيضاً عبر محور جبل الشيخ باتجاه لبنان، مما أعطى الحدود معنى عملياتياً جديداً يتجاوز مجرد الدفاع الحدودي؛ لا سيما وأن القوات الاسرئايلية تحا مجموعة تلال استراتيجية مثل تلول الحمر و تل الفرس والتلال المطلة على السدود والقرى الرئيسية مثل بريقة وبير عجم ونبع الصخر وجبا في ريف القنيطرة.
النقطة الأساسية الأولى هي أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع جنوب سوريا كمنطقة عازلة سلبية، بقدر ما تتعامل معه كساحة أمنية حية تُشكّل من الداخل. عملياً، يعني ذلك توغلات قصيرة المدى، ومراقبة محلية للطرق، واحتجازاً، ودوريات قرب السدود والطرق الزراعية، واختراقات متقطعة تهدف إلى فرض منطق أمني يومي على القرى بدلاً من مجرد معاقبة حادث مسلح واحد. هذا النمط مهم لأنه يحوّل السلطة من السيادة الرسمية إلى الوجود القسري؛ فالجهة التي تستطيع الدخول، وإيقاف حركة المرور، واستجواب السكان، واعتقال الشباب، والانسحاب متى شاءت، تصبح هي الجهة التي تحدد المسار الأمني في المنطقة حتى دون ضمها رسمياً. لهذا السبب تبدو الأزمة غير محلولة على أرض الواقع ، فهي أقرب إلى حالة عدم استقرار مُدارة.
النقطة الرئيسة الثانية هي أن التحرك الإسرائيلي في الجنوب مرتبط ارتباطاً مباشراً بالجبهة اللبنانية وبمنطق الحرب الأوسع المناهض لحزب الله؛ إذ قد وسّعت إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان، وناقشت علناً توسيع منطقتها الأمنية هناك، وفي الوقت نفسه استغلت محور جبل الشيخ كممر للضغط على حزب الله من اتجاه غير متوقع، بتهديد النسيج الرابط بين جنوب لبنان والبقاع الغربي. بمجرد أن يتحول جبل الشيخ إلى ممر حيوي بدلاً من مجرد حدود جبلية، يتوقف جنوب سوريا عن كونه مسرحاً هامشياً ويصبح جناحاً جانبياً في الحملة ضد حزب الله. هذا يُغير معنى كل توغل في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، إذ يصبح كل توغل جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى المراقبة والاعتراض ومنع الوصول إلى الأراضي، فضلاً عن بناء عمق عملياتي خلف جبهة القتال الجنوبية في لبنان.
أما النقطة الرئيسية الثالثة فتتعلق بدمشق؛ إذ أفادت تقارير في آذار الماضي، أن واشنطن شجعت سوريا على النظر في دور أكثر فاعلية ضد حزب الله، بما في ذلك إمكانية القيام بعمل مرتبط بشرق لبنان، في حين أبدى المسؤولون السوريون تردداً شديداً، ووصفوا تحركات قواتهم قرب لبنان علناً بأنها مراقبة حدودية دفاعية وليست استعداداً للتدخل. لكن ما يجري على الأرض هو تطويق غير مباشر عبر ضبط أنفاق بمناطق حساسة مثل القصير وجرود غرب دمشق، وضبط خلايا تتعامل مع الحزب لا سيما في بيت جن وكناكر وسعسع في ريف دمشق الغربي، وغض الطرف عن أي توغل في هضاب جبل الشيخ نحو لبنان؛ بالتوازي مع نشر قوات سورية على الحدود مع لبنان. في 31 آذار، صرّح الرئيس أحمد الشرع بأن سوريا ستبقى خارج الحرب الأوسع نطاقاً ما لم تتعرض لهجوم مباشر، وهذا أمر بالغ الأهمية لأنه يُظهر أن سوريا تُدفع نحو التوافق الاستراتيجي دون أن تكون قد استعادت التماسك المؤسسي والعسكري والاجتماعي اللازم لاستيعاب تبعات هذا التحول. بمعنىً آخر، يغلي الجنوب جزئياً لأن جهات خارجية تسعى إلى جعل سوريا دولة مواجهة قبل أن تكتمل إعادة بناء نفسها كدولة.
هذا التردد السوري منطقي، لأن أي تحرك مباشر ضد حزب الله سيُنتج مخاطر متعددة في آن واحد؛ إذ سيفتح الباب أمام رد فعل من جهات موالية لإيران، ويُعمّق الحساسية الطائفية داخل سوريا ولبنان، وربما يُعيد تنشيط شبكات مسلحة قديمة، وطرق تهريب، وولاءات تعود إلى زمن الحرب لم تُفكك بالكامل. يتسم المشهد هنا بالتفتت الصامت، وشبكات مسلحة صامدة، وضعف اختراق الدولة، وتمكين الجهات الفاعلة المحلية في ظل التدخل الخارجي. في مثل هذه البيئة، يُعد ظهور جماعات مسلحة جديدة في الجنوب أمراً وارداً، لكن المسألة الحاسمة ليست ما إذا كانت هذه الجماعات تتبع أيديولوجية معينة أم لا؛ إذ تكمن القضية الحاسمة في أن التضاريس المجزأة تسمح لجهات فاعلة ذات دوافع متضاربة، وبقايا ميليشيات قديمة، وثأر محلي، وأجندات معادية-موالية لحزب الله، ومصالح إجرامية انتهازية، وقنوات تمويل إقليمية، بالتعايش في فضاء واحد متداخل.
لهذا السبب، يُعدّ الضغط الإسرائيلي على جنوب سوريا فعالاً من الناحية الاستراتيجية حتى وإن بدا محدوداً من الناحية التكتيكية. لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال كل قرية بشكل دائم لتغيير الجنوب؛ يكفيها فقط إبقاء السلطة غير مستقرة، وإجبار دمشق على نشر قواتها بشكل رد فعلي، والإشارة إلى سهولة اختراق الطرق والتلال، وجعل السكان المحليين يشعرون بأن الدولة عاجزة عن تأمين حياتهم اليومية. يُضعف هذا النسار العودة الرمزية للسيادة السورية بعد سقوط النظام القديم، ويحوّل مجتمع الحدود إلى منطقة انتظار وريبة وعسكرة الجغرافيا و غموض كبير.
تعدد الفواعل
يكمن جانب آخر من الأزمة في الأهمية السياسية للجنوب بالنسبة لعدة جهات فاعلة في آن واحد؛ فبالنسبة لإسرائيل، تُوفر المنطقة حزاماً متقدماً للهجوم الاستباقي والضغط، وبالنسبة للولايات المتحدة، تُتيح لها فرصة احتواء حزب الله وتضييق النفوذ الإيراني وسحب البساط من الروس الذين تبنوا الجنوب السوري لكن دون خطوات جدية في هذا الامر، دون الانخراط في دور بري أميركي واسع النطاق. أما بالنسبة لدمشق، فهي اختبار للسيادة وفخ في آن واحد، لأن التقاعس يُظهر الضعف، بينما يُؤدي الإفراط في التدخل إلى خطر الانزلاق والتورط الإقليمي. وبالنسبة لحزب الله، يُشكل جنوب سوريا خطراً بالغاً لأنه قد يُصبح ساحة التفاف تُهدد المرونة اللوجستية وتفتح اتجاهاً جديداً للهجوم يتجاوز جبهة جنوب لبنان التقليدية. أما بالنسبة للمجتمعات المحلية في درعا والقنيطرة وريف دمشق الغربي، فإن أياً من هذه الحسابات الاستراتيجية لا يُحقق الأمن؛ ويُؤدي إلى تضييق جغرافية المنطقة، حيث تُترجم الحرب الإقليمية إلى نقاط تفتيش، واعتقالات، وطرق مُدمرة، وتعطيل سُبل العيش، وحالة من عدم اليقين الدائم.
يتجه السيناريو الأكثر ترجيحاً نحو تحويل جنوب سوريا إلى ساحة صراع رمادية مستمرة، حيث تواصل إسرائيل توغلاتها المحسوبة وسيطرتها على الطرق، وتعزز دمشق مواقعها ضمن هامش محسوب، ويتكيّف حزب الله عبر خلايا صغيرة وحركة أكثر سرية، وتنتشر تشكيلات محلية في مناطق التماس بين سلطة الدولة والضغوط الخارجية. يدفع هذا النمط نحو توسّع ساحة العمليات مع تشتت الخصوم، ويقود بالتوازي إلى تضييق المجال المدني داخل بيئة حدودية متحوّلة.
يدخل الجنوب مرحلة تتداخل فيها الحدود مع خطوط المواجهة والمجالات الخلفية، حيث تتشكل واجهة استراتيجية ممتدة تضم القنيطرة وغرب درعا والحرمون وريف دمشق الغربي، وترتبط بالجولان وجنوب لبنان وممر البقاع ضمن سياق إقليمي أوسع. ينعكس هذا الترابط في تداخل المحلي مع الإقليمي، بحيث يرتبط أي تحرك ميداني في القنيطرة بحسابات الإمداد في لبنان، ورسائل الردع تجاه دمشق، وإعادة توزيع النفوذ المسلح. تستمر الأزمة ضمن هذا الإطار كحالة اختبار مستمرة لقدرة الجنوب على استيعاب الضغط، في ظل بيئة تعيش فعلياً داخل ديناميات الحرب الإقليمية.
أثر الاحتجاجات الشعبية
ينبغي قراءة موجة الاحتجاجات التي اجتاحت دمشق وريفها ودرعا والقنيطرة والعديد من المخيمات الفلسطينية خلال الأيام الثلاثة الماضية، باعتبارها تعبيراً حقيقياً عن الغضب الشعبي، ولكنها أيضاً ساحة سياسية قابلة للاستغلال على مستويات متعددة؛ حيث كان هناك مظاهرات عقب إقرار إسرائيل قانوناً يُجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، مع مسيرات عقب صلاة الجمعة في دمشق ومشاركة ملحوظة في الجنوب أيضاً. هذا يعني أن الدافع المباشر واضح وقوي عاطفياً، إلا أن الساحة السورية تُضفي على كل حشد جماهيري زخماً إضافياً يتجاوز شعاره المعلن، لا سيما في ظل الضغوط الإسرائيلية اليومية التي يتعرض لها الجنوب، وحالة التوتر السائدة في المنطقة ككل.
نتنقل هنا بين عدة فرضيات؛ أن هذه المظاهرات هي في الأساس احتجاجات تضامنية حقيقية، يتركز ثقلها في فلسطين، لكن حدتها تتضاعف بفعل الإذلال الذي يشعر به جنوب سوريا نفسه؛ لا سيما عندما تصبح التوغلات والاعتقالات والقنص والدوريات الإسرائيلية، بالإضافة إلى السيطرة على الطرق في القنيطرة وغرب درعا، جزءاً من الحياة اليومية، تتوقف فلسطين عن كونها مجرد قضية رمزية بعيدة، وتتحد مع تجربة سورية محلية من الانكشاف، وهشاشة الحدود والسيادة. في ظل هذه الظروف، يتحول الاحتجاج على الأسرى الفلسطينيين إلى احتجاج على عجز سوريا، وعلى الحدود المفتوحة، وعلى الشعور بأن الجنوب يُعاد تنظيمه تحت ضغط عسكري أجنبي.
أما الفرضية الثانية، فهي أن بعض الجهات الفاعلة داخل سوريا تحاول استخدام القضية الفلسطينية كغطاء وطني آمن للتعبير عن مظالم داخلية أعمق، دون تحويل الشارع مباشرة إلى مواجهة معادية للحكومة؛ وهذا نمط كلاسيكي في البيئات السياسية المتوترة حيث تصبح فلسطين اللغة المسموح بها للتعبير عن الغضب إزاء الإخلال بالسيادة، والإنهاك الاجتماعي، والتدهور الأمني، والتدخل الأجنبي، بشكل غير مباشر ولكنه مشروع اجتماعياً. وبناءً على هذا التفسير، فإن الهتاف من أجل فلسطين يتيح أيضاً للمجتمعات المحلية التحدث عن الوجود الإسرائيلي في القنيطرة ودرعا، وعن القلق بشأن الجبهة الجنوبية، وعن الخوف من دفع سوريا إلى ساحة حرب مصممة في مكان آخر. ويحمل هذا الافتراض احتمالاً كبيراً أيضاً، لأن الموقف السوري الرسمي يؤكد على النأي بنفسه عن الحرب الإقليمية ما لم يتعرض لهجوم مباشر، بينما يستمر الواقع على الأرض في الجنوب في إثارة مخاوف عامة.
أما الافتراض الثالث فأكثر حساسية؛ حيث تسعى بعض التيارات إلى استغلال المظاهرات للعودة إلى الساحة الجنوبية، أو حشد النفوذ، أو بناء شرعية حول وجود مسلح أو شبه مسلح في المستقبل. في المناطق الحدودية المتناثرة، غالباً ما تعمل التعبئة الجماهيرية كآلية فرز تختبر من خلالها الشبكات الرأي العام، وترسم خريطة للشخصيات المحلية البارزة، وتحدد المحركين، وتحدد الشعارات القادرة على حشد أوسع تحالف. لا يعني هذا بالضرورة أن حركة الاحتجاج في الجنوب مفتعلة، لأن المظالم حقيقية بوضوح؛ لكن يمكن استغلال الغضب الحقيقي من قبل جهات فاعلة تتجاوز أهدافها التضامن مع فلسطين، وتمتد لتشمل بناء النفوذ في درعا والقنيطرة وريف دمشق الغربي. ونظراً لعدم استقرار الجنوب حالياً، والنقاش المتكرر حول ظهور جماعات مسلحة (الجماعة الإسلامية، وجماعات مرتبطة بالجهاد الإسلامي وجماعات مرتبطة بحزب الله) وتشكيل قوى محلية، فإن هذا الاحتمال وارد، وإن كان أقل يقيناً من الفرضيتين السابقتين.
أما الفرضية الرابعة فتتعلق بجهات فاعلة قد ترغب في تحويل الملف الفلسطيني إلى آلية للضغط على الدولة السورية من اتجاهين متقابلين في آن واحد؛ وهذا المسار كان قد استعمله نظام الأسد سابقاً عبر الاستخدام الوظيفي للقضية الفلسطينية لا سيما في احداث أيار 2011 حين سهّل النظام وصول الفلسطينيين والسوريين على حد سواء الى السياج الحدودي ما أدى الى استشهاد و إصابة عدد من الشبان؛ و كانت حينها بدايات الثورة السورية، مع العلم ان الدخول إلى القنيطرة كان يحتاج الى تصاريح امنية من فرع سعسع التابع للأمن العسكري. يسعى أحد هذين الاتجاهين إلى تصوير دمشق على أنها سلبية للغاية في مواجهة إسرائيل، على أمل توسيع الفجوة بين الخطاب الرسمي والرأي العام؛ بينما يسعى الاتجاه الآخر إلى إثارة قلق الدولة والجهات الفاعلة الأجنبية من خلال الإيحاء بأن أي حشد واسع النطاق حول فلسطين قد يتحول إلى ممر لإعادة تنشيط الجماعات المسلحة، أو إعادة تنظيم صفوفها أيديولوجياً، أو تجدد التورط عبر الحدود.
تعكس مواقف الحكومة السورية إطاراً حذراً يقوم على تغطية إعلامية للأحداث في الثالث من نيسان، بما يشمل الاحتجاجات والتقدم الإسرائيلي في جنوب القنيطرة، مع خطاب رسمي يركّز على ضبط النفس الاستراتيجي وتجنّب توسيع نطاق المواجهة، إلى جانب بيانات خارجية تندد باستهداف المدنيين. يكشف هذا المشهد عن فجوة في التفسير السياسي، حيث يجري الاعتراف بالأحداث ضمن خطاب محسوب، مع محدودية في فتح نقاش عام حول دلالات التصعيد وحدود الرد، ما يفتح المجال أمام تنامي الشائعات والتفسيرات المتباينة.
تتداخل حول الاحتجاجات مجموعة مصالح، تشمل التنفيس الاجتماعي عبر توظيف القضية الفلسطينية لتخفيف ضغط التوغلات والقلق الإقليمي، وإعادة التموضع الرمزي من خلال تقديم بعض الفاعلين أنفسهم كمدافعين عن فلسطين والجنوب، واختبار القدرة على التعبئة داخل الشبكات المحلية، إلى جانب توظيف الاحتجاجات لإبراز الفجوة بين الشارع والخطاب الرسمي، وإرسال إشارات خارجية حول قابلية الساحة السورية للتصعيد. تجتمع هذه المصالح ضمن حراك واحد دون الحاجة إلى مركز قيادة موحد.
التعبئة المتنازع عليها والفاعلون الانتهازيون
تعكس موجة الاحتجاجات الراهنة في جنوب سوريا حالة من الغضب الشعبي المتصاعد تتقاطع مع واقع ميداني مفكك ومفتوح على تدخلات متعددة، ما يتيح لعدد واسع من الفاعلين الدخول في مسار الأحداث والتأثير في اتجاهاته. وتدفع لحظات التعبئة، خاصة المرتبطة بفلسطين والتحركات الإسرائيلية، نحو استقطاب طيف متنوع من القوى، يبدأ من الشبكات المحلية غير الرسمية مثل المقاتلين السابقين ووجهاء العشائر وشخصيات مرتبطة بالاقتصاد غير النظامي، ويمتد إلى عناصر ذات خلفيات أمنية أو ميليشيوية سابقة بتوجهات سياسية مختلفة، إضافة إلى وسطاء محليين يسعون إلى استعادة حضورهم داخل مشهد سريع التحول. تتحرك هذه الفواعل في محيط الاضطراب وتستثمر زخمه عبر التأثير في الشعارات وتوجيه السخط العام وتحويل الطاقة الاحتجاجية إلى مكاسب ملموسة، ما يجعل ساحة الاحتجاج مجالاً مفتوحاً تتقاطع فيه الدوافع الصادقة مع الاستخدام السياسي، وتتحول فيه الاضطرابات إلى مساحة تعبير اجتماعي وأداة نفوذ في آن واحد.
تدفع هذه التفاعلات نحو إعادة صياغة الجنوب السوري كجبهة ضغط نشطة تُستخدم لممارسة تأثير خارجي مستمر على الدولة السورية، حيث تجد دمشق نفسها داخل معادلة قرار معقدة تتشكل من تلاقي الضغوط الدولية، وحدود القدرة الداخلية، وتفاعل الشارع. ويبرز ضغط متزامن من الولايات المتحدة وإسرائيل باتجاه إعادة تحديد موقع سوريا في ما يتعلق بحزب الله والشبكات المرتبطة بإيران، بالتوازي مع واقع ميداني يعكس حضوراً غير مكتمل للدولة في الجنوب، وارتفاع حساسية المجتمع تجاه التوغلات والانتهاكات. تنتج هذه الحالة معادلة دقيقة ترفع كلفة التصعيد بما يحمله من احتمالات مواجهة مباشرة وتداعيات إقليمية، وتضع في المقابل تحدياً على مستوى المكانة الداخلية في ظل استمرار نهج التهدئة، ما يحول الجبهة الجنوبية إلى ساحة اختبار مستمر تُقاس من خلالها حدود القرار السوري وتُعاد صياغته ضمن سياق إقليمي متغير.
هياكل السلطة الداخلية والاتجاهات الاستراتيجية المتباينة
يتشكل نظام الحكم السوري في مرحلته الراهنة كترتيب مركّب من دوائر نفوذ متداخلة تعمل داخل جهاز الدولة وامتداداته، حيث تتعامل القوى المختلفة مع ملف الجنوب وفق رؤىً استراتيجية متعددة تنبع من تباين الأولويات وتقدير المخاطر وامتدادات العلاقات الخارجية. يبرز ضمن هذا المشهد مسار يركّز على التهدئة واستعادة الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة تدريجياً، إلى جانب مسار آخر يتجه نحو المواجهة ويرى في الصراع مع إسرائيل امتداداً طبيعياً للسياق الإقليمي المرتبط بحزب الله وإيران، في حين تتحرك قوى محلية، خصوصاً في الجنوب، وفق حسابات عملية تقوم على البقاء وتعزيز النفوذ والتكيّف مع التحولات الميدانية. وتضيف شبكات قادمة من خلفيات جغرافية مختلفة خلال سنوات الحرب، بما في ذلك مجموعات ذات صلة بإدلب أو بهياكل معارضة سابقة، مزيداً من التباين في التوجهات والحسابات. ينتج عن هذا التكوين حالة من التباين الداخلي تظهر في صورة أولويات متوازية داخل الإطار نفسه، ما ينعكس على القرار في شكل حذر وتدرّج وغموض محسوب تحت الضغط.
يتحول الجنوب السوري ضمن هذا السياق إلى مساحة تُستخدم فيها حالة التقلب كوسيلة لإعادة توزيع النفوذ وإعادة التموضع داخل مرحلة ما بعد الحرب، حيث تسمح البيئة المفتوحة بتوظيف التوترات لاختبار الخصوم، واستقطاب الدعم الخارجي، وإعادة ضبط موازين القوى المحلية. تخدم هذه الحالة مجموعة من الدوافع المتداخلة التي تشمل تعزيز القدرة التفاوضية، وإزاحة المنافسين، وصياغة ترتيبات الحكم المقبلة في الجنوب، وهذا ما يجعل التقلب جزءاً من آلية عمل الفاعلين السياسيين والأمنيين ضمن سعيهم إلى تثبيت مواقعهم داخل مشهد متغير.
تحولات المزاج السوري
يعكس المشهد السوري مفارقة لافتة برزت بوضوح مع التفاعل الشعبي الواسع مع القرارات الإسرائيلية الأخيرة، لا سيما ما يتعلق بملف الأسرى، حيث أظهر المزاج السوري قدرة عالية على التعبئة أعادت التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي، بالرغم من مسار تراجع نسبي في حضورها خلال السنوات الممتدة بين 2011 و2024. تكشف هذه المفارقة عن انفصال تدريجي بين ثبات البعد الرمزي للقضية وتحولات موقعها السياسي داخل التفاعلات السورية، حيث حافظت فلسطين على مكانتها كقضية جامعة، في الوقت الذي خضعت فيه لعمليات إعادة تموضع داخل خرائط الصراع الإقليمي والمحلي.
تبلور هذا التحول عبر مسارين رئيسيين؛ على مستوى قوى المعارضة السورية، جرى ربط جزء من القضية الفلسطينية بمحور إيران وحزب الله، خصوصاً من خلال العلاقة مع حركة حماس، التي أعلنت في مراحل معينة انحيازها للشعب السوري، قبل أن تعيد لاحقاً فتح قنواتها مع دمشق وتعيد تموضعها ضمن شبكة العلاقات الإقليمية، وهذا ما دفع شرائح من المعارضة إلى قراءة القضية الفلسطينية ضمن إطار اصطفافات إقليمية أكثر من كونها قضية تحرر مستقلة. وفي المقابل، عمل النظام السوري على توظيف القضية الفلسطينية كرافعة سياسية ممتدة، حافظ من خلالها على حضورها في المجال العام عبر دعم الفعاليات والتظاهرات، خصوصاً في محطات مثل يوم الأرض والحروب على غزة في أعوام 2019 و2021، مستفيداً من شبكة علاقاته مع الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، بقيادة الراحل أحمد جبريل، بما عزز من دور القضية كأداة للحفاظ على الامتداد القومي والشعبي.
أنتج هذا المسار وضعاً تتراجع فيه القدرة التنظيمية للفصائل الفلسطينية داخل سوريا، في ظل تقلص المجال المستقل وتغير بنية التحالفات الإقليمية، مقابل استمرار القضية الفلسطينية كقوة رمزية قادرة على تحريك الشارع وإعادة إنتاج لحظات تعبئة واسعة عند كل تصعيد إقليمي. تتحول القضية في هذا السياق إلى مساحة مشتركة تُستخدم للتعبير عن قضايا أوسع تتصل بالسيادة والهوية والموقع الإقليمي، في حين تعمل الفصائل ضمن هامش تأثير أكثر ضيقاً مقارنة بثقل القضية في الوعي العام.
