زيارة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي إلى دمشق، الأحد في الخامس من الجاري، لم تكن، بمكان ما، زيارة مفاجئة. فقد كانت عملياً استكمالاً للجولة التي قام بها الأسبوع الماضي إلى الأردن ودول الخليج، وناقش خلالها قضايا متعلقة بتعزيز أمن هذه الدول، خصوصاً في مجال التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، لما تملكه أوكرانيا من خبرة مشهود لها عالمياً في هذا المجال. كما ناقش زيلينسكي أيضاً في جولته المسائل المتعلقة بالأمن الغذائي، وإمكانيات أوكرانيا الواسعة في تصدير الحبوب والمواد الغذائية.
لكن الملفت في زيارة زيلينسكي إلى دمشق أنها أتت في اليوم التالي لزيارته إلى تركيا، ووصوله إلى سوريا على متن طائرة تركية رسمية برفقة وزير الخارجية التركي.
تجدر الإشارة إلى أن السفارة الأوكرانية في لبنان المعنية مباشرة بالزيارة بسبب عدم إفتتاح السفارة في دمشق حتى الآن، اصطدمت بالوضع الأمني المسيطر على لبنان هذه الأيام. فقد حال إقفال معبرالمصنع بين سوريا ولبنان بسبب الإنذار الإسرائيلي دون تمكن مسؤولي السفارة من القيام بالمهام المنوطة بهم في مثل هذه الحالة الطارئة.
فضلت "المدن" أن تترك للخبراء الأوكران أمر التعليق على الزيارة وخلفياتها، وما تعنيه بالنسبة لأوكرانيا التي تراجعت قضية الحرب التي تخوضها ضد العدوان الروسي على خلفية الحدث الإيراني.
المستشرق الأوكراني إيغور سيميفولوس
المستشرق الذي سبق أن نشر أكثر من نص في "المدن"، رأى أن زيارة زيلينسكي إلى دمشق أمس هي تتمة للجولة التي بدأها في الشرق الأوسط مطلع آذار/ مارس المنصرم. وزار خلالها كلاً من السعودية والإمارات وقطر والأردن والكويت، وأعلن في سياق هذه الزيارت عن "اتفاقيات تاريخية ملموسة". وأتت تركيا بالأمس وسوريا اليوم كنهاية منطقية لهذه الجولة.
لزيارة أنقرة قبل دمشق دلالة بارزة. فأردوغان هو الداعم الخارجي الرئيسي للحكومة السورية الجديدة. وقد وصل زيلينسكي إلى دمشق بمباركة تركيا، مما يعزز بشكل كبير مكانة هذه الزيارة ومصداقيتها بالنسبة للشرع.
رأى المستشرق أننا نشهد بروز مثلث فعلي ملموس أمام أعيننا، قوامه أوكرانيا، تركيا، وسوريا، ويستند إلى ثلاثة أبعاد.
أولاً، بعد أمني. فقد صرح الشرع إنه يبذل كل ما في وسعه لإبقاء سوريا خارج الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وأنه يقارب الوضع بأقصى درجات الحذر. وهذا يعني أن دمشق بحاجة إلى شريك أمني موثوق به، لا يميل إلى أي كتلة. وأوكرانيا شريك مثالي بهذا المعنى. فهي تمتلك خبرة حقيقية في محاربة التوسع الروسي والإيراني، وفي الوقت عينه لا تحمل "الأعباء السياسية" لحلف الناتو أو التزامات تجاه إسرائيل.
ثانياً، بعد متعلق بمجال الطاقة. أمس السبت اتفق زيلينسكي وأردوغان على عقد اجتماع بين رئيس شركة نفتوغاز الرسمية الأوكرانية ووزارة الطاقة التركية الأحد في الخامس من نيسان/ أبريل المطابق لموعد الزيارة. وهذا ليس من قبيل المصادفة. فالجغرافيا السياسية للغاز (الطريق القطري عبر سوريا إلى تركيا ثم إلى أوروبا) تجري مناقشتها على مستويين في وقت واحد.
ثالثاً، بعد دبلوماسي متعلق بروسيا. في حين أن المحادثات الثلاثية بين أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا معلقة بسبب القتال في الشرق الأوسط، يعمل زيلينسكي على تطوير بنية نفوذ بديلة: شركاء إقليميون يمارسون ضغوطاً اقتصادية ودبلوماسية على موسكو، مما يعزز حضورهم. ويُعدّ إخراج روسيا من الموانئ السورية جزءاً من هذا المنطق.
يرى المستشرق أن زيارة زيلينسكي إلى دمشق، "هي زيارة تاريخية من دون أدنى شك". فهي أول مرة ، يزور رئيس أوكرانيا التي مزقتها الحرب العاصمة العربية التي كانت حليفة لموسكو قبل عام ونصف فقط. وهو يمثل قطعاً معً النمط الجيوسياسي السابق، ولا يحدث بشكل عفوي، بل كنقطة نهائية لجولة إقليمية مدروسة جيداً وفقاً لمنطق مثلث كييف- أنقرة- دمشق.
البوليتولوغ الأوكراني فلاديمير فيسينكو
فلاديمير فيسينكو، أحد أبرز الخبراء الأوكران الذين تستطلع "المدن" رأيهم في كل ما يتعلق بأوكرانيا، يرجح أن تكون زيارة زيلينسكي المفاجئة إلى سوريا، وبالنظر إلى سياقها وعدد من الظروف التي أحاطت بها، قد تمت بتشجيع من أردوغان ومساعدته المباشرة. ويقول إنه لن يفاجأ إذا تبين أن فكرة الزيارة قد تبلورت خلال اجتماع زيلينسكي مع أردوغان. لكنه لايستبعد على أن تكون الزيارة قد تم التخطيط لها مسبقاً بشكل مشترك من قبل الجانبين الأوكراني والتركي. ويدعم هذا الاحتمال واقع أن زيارة زيلينسكي إلى سوريا تمت بعد زيارة تركيا مباشرة، ووصل على متن طائرة تركية حكومية برفقة وزير الخارجية التركي.
ويشير فيسينكو إلى أن زيلينسكي قد أعرب بعد اللقاء مع الشرع عن اهتمام كبير بتبادل الخبرات العسكرية والأمنية. ويرى أنه في سياق تفاقم الوضع العسكري والسياسي في غرب آسيا، يعمل زيلينسكي على تعزيز مصالح أوكرانيا في هذه المنطقة كشريك محتمل في مجال التعاون العسكري التقني. وإضافة إلى ذلك، يمكن أن تكون سوريا أحد المشترين المحتملين للحبوب الأوكرانية وغيرها من المنتجات الزراعية.
يلفت فيسينكو الإنتباه إلى نقطة يعتبرها مهمة. فهو يرى أن أوكرانيا تسعى إلى ترسيخ وجودها في هذه المنطقة، جزئياً لمواجهة روسيا. وهو ما حدث في ليبيا، حيث تعمل بعثة عسكرية صغيرة من الاختصاصيين الأوكران. لكنه يرى أن من الصعب حتى الآن التكهن ما إن كان هذا سيحدث في سوريا، حيث تتواجد المصالح الروسية أيضاً. غير أنه من الواضح أن مواجهة سرية نشطة بين أجهزة الاستخبارات الأوكرانية والروسية قد بدأت بالفعل في عدد من المناطق حول العالم.
الأحجية الأكبر في زيارة زيلينسكي إلى سوريا تبقى في السؤال: وما حاجة أردوغان إلى هذه الزيارة، وتركيا بنفوذ فعلي كبير على النظام السوري الحالي؟ برأيه، قد يكون أردوغان، من خلال الترويج للمصالح الأوكرانية في سوريا، يسعى لعرقلة لعبة روسيا في المنطقة. لكن أردوغان قد يسعى أيضاً إلى تحقيق أهداف أبعد من ذلك، حيث يقوم تدريجياً بتشكيل شبكة من التحالفات السياسية غير الرسمية التي تشمل غرب آسيا وجنوب القوقاز وأجزاء من أوروبا، وربما آسيا الوسطى أيضاً.
يشير فيسينكو إلى أن الولايات المتحدة تبدي اهتماماً كبيراً بسوريا أيضاً. وسيتطلب أي نشاط غير اقتصادي محتمل لأوكرانيا في المنطقة تنسيقاً جزئياً على الأقل مع الجانب الأميركي. ولا ينسى أن سوريا تجاور إسرائيل التي تربطها بأوكرانيا علاقات ملتبسة (متحفظة ومحايدة إلى حد ما)، ومصالحها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتحدة. وتربط تركيا بإسرائيل علاقات سيئة. وإذا ما بدأت أوكرانيا لعبة سياسية نشطة في غرب آسيا، فسيتعين عليها النظر في مجمل معضلة العلاقات الجيوسياسية المتناقضة في المنطقة.
الصحافي الأوكراني فيتالي بورتنيكوف
الصحافي والمعلق في راديو "الحرة" الأميركي، والذي سبق أن أدلى برأيه في "المدن"، قال لـِ "المدن" إن وصول زيلينسكي إلى دمشق برفقة وزير الخارجية التركي، يشير إلى أن الزيارة هي استكمال لزيارة أنقرة. ومرافقة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لزيلنسكي تشير إلى اهتمام كل من تركيا وأوكرانيا بالاستقرار في الشرق الأوسط، كجزء من الاستقرار في العالم. ويرى أن للزيارة أهمية رمزية وأخرى عملية. من الناحية الرمزية، من المهم توثيق العلاقات مع سوريا التي كانت حتى وقت قريب حليفة موسكو، واعترفت بالاحتلال الروسي لأوكرانيا. ومن الناحية العملية، تحمل الزيارة أهمية للدفاع عن استقرار سوريا في ظل الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين إيران وحليفتها روسيا، سيما أن روسيا لا تزال تحتفظ بقواعدها العسكرية في سوريا.
ويرى بلوتنيكوف أن الأمن الغذائي في سوريا من المرجح أن يكون على جدول أعمال الزيارة. ويعتبر أن اعتماد تركيا على أوكرانيا في معالجة هذه المسألة، قد يشجع سوريا على استيراد الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا، المعروفة عالمياً في هذا المجال.
