تلويح ترامب بالانسحاب من "الناتو".. يصطدم بعوائق تشريعية

المدن - عرب وعالمالاثنين 2026/04/06
Image-1775488813
قيود الكونغرس تكبح اندفاعة ترامب نحو فك الارتباط مع "الناتو" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليصعّد خطابه تجاه حلف شمال الأطلسي "ناتو"، ملوّحاً بإمكانية انسحاب الولايات المتحدة من التحالف العسكري، في خطوة تعكس توتراً متزايداً في العلاقات عبر الأطلسي، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بعقبات قانونية وسياسية تجعل تنفيذها بالغ التعقيد، وفق تقرير لمجلة "ناشونال انترست".

وجاءت تصريحات ترامب في مقابلة أُجريت الأربعاء، أشار فيها إلى أنه قد يسعى في المستقبل القريب إلى إخراج بلاده من "الناتو"، وذلك عقب امتناع معظم دول الحلف عن تقديم دعم ملموس لعملية "الغضب العارم"، ويُعد هذا التصريح امتداداً لمواقف سابقة لترامب شكك فيها بجدوى الحلف، رغم كونه يُصنّف على نطاق واسع كأنجح تحالف عسكري دفاعي في التاريخ الحديث.

 

تناقض بين التصريحات والواقع العسكري

وتأتي تهديدات ترامب في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة انخراطها العسكري العميق ضمن هياكل "الناتو" في أوروبا. فبعد يوم واحد فقط من تصريحاته، أعلن الجيش الأميركي في أوروبا وأفريقيا، عزمه تنفيذ سلسلة من المناورات العسكرية الواسعة تحت اسم "Sword 26"، تمتد من أواخر نيسان/أبريل وحتى أيار/مايو 2026، وتشمل مناطق الشمال الأوروبي، والبلطيق، وبولندا.

وتهدف هذه التدريبات إلى تفعيل مبادرة الردع على الجناح الشرقي لـ"الناتو" مع التركيز على استخدام قدرات متقدمة تشمل تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، قال قائد القوات الأميركية في أوروبا وأفريقيا، الجنرال كريستوفر دوناهيو، للمجلة، إن هذه المناورات "تختبر القدرة القتالية للجيش الأميركي وإمكانية توظيف الحرب المعتمدة على البيانات والذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بما يعزز تنفيذ الخطط الإقليمية للناتو عبر مختلف المجالات العملياتية".

وتأتي "Sword 26" بعد أقل من شهر على سلسلة من التدريبات البحرية المشتركة بين قوات "الناتو" في القطب الشمالي، ما يعكس استمرار التنسيق العسكري الوثيق بين الولايات المتحدة وحلفائها.

 

قيود دستورية وتشريعية

ورغم التصعيد السياسي، فإن قدرة ترامب على تنفيذ تهديده محدودة للغاية. إذ يستند وجود الولايات المتحدة في الناتو إلى "معاهدة شمال الأطلسي" الموقعة عام 1949، بينما ينص الدستور الأميركي على ضرورة موافقة مجلس الشيوخ على المعاهدات، لكنه لا يحدد بوضوح آلية الانسحاب منها، حسب المجلة.

وقد شهد التاريخ الأميركي سوابق لانسحاب رؤساء من معاهدات دفاعية بشكل أحادي، أبرزها قرار الرئيس الأسبق جيمي كارتر عام 1978 بالانسحاب من معاهدة الدفاع المشترك مع تايوان، وهو ما أثار جدلاً قانونياً واسعاً تُوج بقضية "Goldwater v. Carter"، التي خلصت فيها المحكمة العليا إلى أن مسألة الانسحاب من المعاهدات تُعد "سؤالاً سياسياً" يحق للكونغرس تنظيمه.

وفي غياب قواعد واضحة، درج الكونغرس في معظم الحالات على ترك هامش واسع للرئيس لاتخاذ قرارات أحادية. وقد استغل ترامب هذا الهامش خلال ولايته السابقة، حين قرر عام 2019 الانسحاب من معاهدة القوات النووية متوسطة المدى دون العودة إلى الكونغرس.

غير أن الوضع يختلف في حالة "الناتو"، إذ أقرّ الكونغرس عام 2023 قانوناً يلزم أي إدارة بالحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ قبل الانسحاب من الحلف، وهو إجراء استهدف بشكل مباشر الحد من قدرة ترامب على اتخاذ قرار منفرد. والمفارقة أن هذا التشريع كان برعاية السيناتور آنذاك ماركو روبيو، الذي يشغل حالياً منصب وزير الخارجية في إدارة ترامب.

 

رفض واسع داخل المؤسسة الأميركية

وتواجه فكرة الانسحاب من "الناتو" معارضة قوية داخل المؤسسة السياسية الأميركية، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ما يجعل تمريرها داخل مجلس الشيوخ أمراً شبه مستحيل.

وفي هذا السياق، شدد السيناتوران ثوم تيليس وجين شاهين، اللذان يرأسان مجموعة مراقبة "الناتو" في مجلس الشيوخ، على أن الحلف "وقف إلى جانب الولايات المتحدة عندما تعرضت لهجمات 11 سبتمبر، وشارك جنوده في القتال وسقطوا إلى جانب القوات الأميركية في أفغانستان".

وأضافا أن أي محاولة للانسحاب من الناتو "لن تحقق فقط طموحات فلاديمير بوتين وشي جين بينغ، بل ستقوض أيضاً المصالح الأمنية للولايات المتحدة".

 

جدل حول التزامات الحلفاء

ويواصل ترامب التشكيك في موثوقية الدول الأعضاء في "الناتو"، معتبراً أنها غير قادرة على الوفاء بالتزامات الدفاع المشترك في حال نشوب نزاع واسع. غير أن الوقائع التاريخية تُظهر أن الحلف فعّل المادة الخامسة من ميثاقه – المتعلقة بالدفاع الجماعي – مرة واحدة فقط، وذلك عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، حين قدمت جميع الدول الأعضاء دعماً عسكرياً للولايات المتحدة في حربها في أفغانستان.

ورغم ذلك، قلّل ترامب مراراً من مساهمة الحلفاء الأوروبيين، مدعياً أنهم "بقوا بعيدين قليلاً" عن خطوط القتال، في حين تشير المعطيات إلى أن أكثر من ألف جندي من دول "الناتو" غير الولايات المتحدة قُتلوا خلال الحرب التي استمرت عشرين عاماً.

وفي سياق آخر، أثار ترامب جدلاً إضافياً بدعوته إلى سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، معتبراً أن الدنمارك – وهي عضو رئيسي في "الناتو" – غير قادرة على الدفاع عن هذا الإقليم شبه المستقل.

 

قلق أوروبي متصاعد

أثارت تصريحات ترامب استياءً واضحاً لدى القادة الأوروبيين، الذين يرون فيها تهديدًا لاستقرار التحالف. وفي هذا الإطار، انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما وصفه بـ"التصريحات المتناقضة"، قائلاً إن "هناك الكثير من الكلام في كل الاتجاهات... ونحن بحاجة إلى الاستقرار والهدوء والعودة إلى السلام. هذا ليس عرضاً".

وأضاف ماكرون: "عندما تريد أن تكون جاداً، لا يمكنك أن تقول عكس ما قلته في اليوم السابق، وربما لا ينبغي التحدث كل يوم".

 

ترابط عسكري يصعب تفكيكه

ورغم الجدل السياسي، تواصل الولايات المتحدة تعاونها العسكري الوثيق مع الناتو، بما في ذلك تنفيذ مهام القاذفات الاستراتيجية (Bomber Task Force – BTF) والمشاركة في تدريبات مشتركة دورية.

وتحتفظ واشنطن بوجود عسكري واسع داخل دول الحلف، إذ تنتشر قواعدها في معظم الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة، لا سيما في أوروبا، حيث يتمركز أكثر من 35 ألف جندي أميركي ضمن القيادة الأوروبية (EUCOM) في ألمانيا.

كما تعتمد العمليات العسكرية الأميركية، بما في ذلك أي سيناريو محتمل لمواجهة مع إيران، بشكل كبير على هذه القواعد والبنية التحتية المنتشرة في أوروبا، ما يجعل أي انسحاب من الناتو خطوة معقدة استراتيجياً وعسكرياً. وفق "ذا ناشيونال إنترست".

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث