بعد ضرب النفط الروسي.. واشنطن تعيد تجربة أوكرانيا في إيران

ديما الحلوةالاثنين 2026/04/06
Image-1775499457
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

خلال الأشهر الماضية، تحوّلت البنية التحتية للطاقة في روسيا إلى هدف مباشر لهجمات أوكرانية مكثفة، طالت الموانئ الرئيسية للتصدير على البحر الأسود وبحر البلطيق، إضافة إلى خطوط الأنابيب والمصافي، في ضربة أصابت أحد أهم مصادر تمويل الدولة الروسية، التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على عائدات الطاقة.

هذا النمط من الاستهداف لم يكن تفصيلاً في الحرب، بل تحوّل إلى أحد أعمدتها: إضعاف القدرة على مواصلة القتال، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر ضرب المصدر الذي يغذّيها.

 

ضمن هذا السياق، لا تبدو التطورات الجارية حول إيران منفصلة. فالدولة التي تشكّل، إلى جانب روسيا، جزءاً من توازن دولي أوسع يضم الصين في مواجهة الغرب، تعتمد بدورها على النفط كركيزة أساسية لاقتصادها. ومع تصاعد التهديدات الأميركية بضرب المنشآت الحيوية، والحديث عن استهداف جزيرة خرج، شريان الإمداد النفطي الإيراني، يعود النفط ليظهر كهدف مركزي، في مشهد يكاد يتطابق مع ما جرى في روسيا: ضرب الشريان بدل الاصطدام بالجسد كاملاً.

هذا التكرار لا ينفصل عن طبيعة الصراع الأوسع. فالتداخل بين موسكو وطهران وبكين لم يعد تفصيلاً، بل أحد أعمدة المواجهة. ومع تصاعد الحرب، برزت مؤشرات على دعم روسي لإيران، شمل تزويدها ببيانات استخباراتية وصور أقمار صناعية ساعدتها في استهداف مواقع عسكرية في المنطقة. في الوقت نفسه، وسّعت الصين تعاونها مع طهران، عبر تزويدها بمواد وتقنيات مرتبطة ببرامج الصواريخ، بما في ذلك مكونات أساسية لوقود الصواريخ الصلبة وأنظمة التوجيه، ما يعكس مستوى متقدماً من الاشتباك غير المباشر.

 

الشرق الأوسط: تأمين البديل قبل ضرب المصدر

إذا كان هذا النموذج قد تبلور في روسيا، فإن تطبيقه في الشرق الأوسط يفرض معادلة أكثر تعقيداً. فالمنطقة لا تمثل فقط ساحة صراع، بل شريان الطاقة العالمي، والمصدر البديل الأساسي لأوروبا في حال تعطل الإمدادات الروسية. وهذا ما يجعل أي استهداف لمنشآت النفط مرتبطاً بسؤال موازٍ: كيف سيستمر التدفق بعد الضربة؟

هنا تتكثف التحركات التي تبدو، في ظاهرها، متفرقة. من إعادة طرح سوريا كممر محتمل لنقل الطاقة نحو أوروبا، إلى تسارع مشاريع الغاز في شرق المتوسط، وصولاً إلى تعزيز الحضور العسكري الأوروبي، يتشكل مسار واضح: بناء شبكة بديلة قادرة على احتواء أي اضطراب.

ضمن هذا السياق، يبرز دور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المنطقة كجزء من هذا التحضير. فالخبرة التي طورتها أوكرانيا في حرب استهدفت منشآت الطاقة بشكل مباشر، سواء في الدفاع عنها أو في ضرب منشآت الخصم، تُنقل اليوم إلى منطقة تواجه تهديداً مشابهاً، خصوصاً مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ.

تعزيز الدفاعات حول منشآت النفط والغاز لا يبدو إجراءً احترازياً فقط، بل خطوة موازية لاحتمال تحوّل هذه المنشآت إلى أهداف. فإيران، التي هددت باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة في حال تعرضت لضربة، تضع هذا السيناريو ضمن معادلة مفتوحة، قد تمتد فيها المواجهة إلى كامل شبكة الطاقة الإقليمية.

 

من خرج إلى واشنطن: حسم خيار الضربة

في قلب هذه المعادلة، تبرز جزيرة خرج كنقطة مفصلية. هذه الجزيرة الصغيرة في الخليج تمثل العقدة الأساسية لتصدير النفط الإيراني، حيث يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات البلاد. هذا التركيز يجعلها نقطة يصعب تعويضها، لكنه في الوقت نفسه يحوّلها إلى هدف مباشر في أي محاولة للضغط الاقتصادي.

استهداف خرج، سواء عبر ضربات محدودة أو عملية أوسع، يعني عملياً خنق القدرة الإيرانية على تصدير النفط. لكنه يحمل في المقابل مخاطر عالية، مع تهديدات إيرانية برد مماثل قد يطال منشآت الطاقة في المنطقة أو يعطل الممرات البحرية الحيوية.

في واشنطن، تترافق هذه الحسابات مع تحولات داخل المؤسسة العسكرية. تصريحات الرئيس دونالد ترامب حول عدم استبعاد إرسال قوات برية، إلى جانب تأكيد وزير الحرب بيت هيغسيث، أن ما يجري هو "مجرد بداية"، تأتي في ظل سلسلة إقالات طالت جنرالات بارزين.

هذه الإقالات، التي رُبطت بخلافات حول إدارة الحرب، تعكس إعادة ضبط داخلية تتناسب مع طبيعة الخيارات المطروحة. فاستهداف منشآت الطاقة، خصوصاً في منطقة حساسة كالخليج، ليس مجرد قرار عسكري، بل خطوة ذات تداعيات إقليمية ودولية واسعة. وفي هذا السياق، يصبح توحيد القرار داخل المؤسسة العسكرية جزءاً من التحضير نفسه.

 

ما يظهر اليوم، على امتداد جبهتين مختلفتين، أوروبا والشرق الأوسط، يبدو أقرب إلى تكرار لنمط واحد: استهداف النفط كوسيلة لإضعاف الخصم، مقابل محاولة تحصين الشبكات البديلة لضمان الاستمرار. بهذا المعنى، لا تبدو الحرب على إيران بداية مسار جديد، بقدر ما هي امتداد لمسار بدأ في روسيا، لكن ضمن ساحة أكثر حساسية وتعقيداً. فهنا، لا يتعلق الأمر فقط بضرب مصدر طاقة، بل بإعادة تشكيل توازن كامل.

وعليه، لا تبدو أي هدنة مقترحة توقفاً للحرب، بقدر ما قد تكون جزءاً من توقيتها. حيث لا يعود السؤال: هل ستقع الضرب؟ بل كيف يُعاد تشكيل المشهد قبل وقوعها؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث