الصمت الذي يربك الجميع.. كيف حولت طهران الغموض إلى سلاح؟

شفيق طاهرالاثنين 2026/04/06
Image-1775500012
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

من خلال الرقابة المحكمة، والتسريبات المحسوبة، وتضارب الروايات، وحجب الفضاء الرقمي عند الضرورة، تدير إيران فراغاً معلوماتياً يربك الخصوم، ويعقد القرار العسكري والدبلوماسي، ويمنحها هامشاً أوسع للمناورة.

لا تتعامل إيران مع المعلومات باعتبارها مجرد مادة للتداول أو أداة للتواصل، بل تنظر إليها بوصفها جزءاً من منظومة القوة التي تمتلكها. فالكتمان، في الحالة الإيرانية، ليس مجرد سمة لنظام مغلق، بل خيار سياسي وأمني محسوب، يستخدم لإرباك الخصوم ورفع كلفة التقدير المسبق لسلوك طهران في لحظات التوتر. ضمن هذا المنطق، لا يصبح الغموض نتيجة جانبية، بل أداة ردع ومناورة في آن واحد.

 

آليات التعتيم المعلوماتي

تعتمد طهران على منظومة متشابكة من أدوات الكتمان. تبدأ هذه المنظومة بالرقابة الرسمية التي تفرض حدوداً صارمة على ما يمكن تداوله في الإعلام والخطاب السياسي، لكنها لا تتوقف عند الحجب المباشر. فهناك أيضا تنسيق واضح بين المؤسسات الرسمية والأجهزة الموازية في إدارة السرديات، بما يجعل الرسائل الصادرة متماسكة في خطوطها العامة، حتى عندما تبدو متناقضة في بعض التفاصيل.

إلى جانب ذلك، تستخدم إيران قنوات خلفية وغير رسمية لتمرير رسائل جزئية أو ملتبسة، فتبدو بعض التسريبات وكأنها عفوية، بينما تكون في أحيان كثيرة جزءاً من عملية اختبار متعمدة لقياس ردود الفعل الإقليمية والدولية. أما المعلومات الأكثر حساسية، المرتبطة ببنية القرار والصلاحيات والقدرات العسكرية والاستخبارية، فتبقى غالباً خارج المتناول، بما يعزز صورة دولة يصعب فك شيفراتها كاملة.

ولا تقتصر سياسة الصمت على الرقابة التقليدية أو إدارة التسريبات، بل تمتد أيضاً إلى الفضاء الرقمي، حيث يشكل حجب الإنترنت أو تقييد الوصول إليه جزءاً أساسياً من أدوات السيطرة على المعلومات. ففي لحظات الاحتجاج أو التصعيد الأمني أو الأزمات الحساسة، تلجأ السلطات إلى إبطاء الشبكة أو تعطيل بعض المنصات والتطبيقات، بما يحدّ من تداول الصور والمقاطع والشهادات الميدانية، ويمنع تشكل روايات مضادة يصعب احتواؤها لاحقاً. وبهذا المعنى، لا يصبح حجب الإنترنت إجراءً فنياً، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لإنتاج الصمت وقطع الطريق على أي تدفق مستقل للمعلومة، داخلياً وخارجياً.

 

أثر الغموض على القرار العسكري والدبلوماسي

في الميدان العسكري، يرفع الغموض كلفة الاستطلاع والتحليل. فالمتابعة لا تعود مجرد جمع معلومات، بل تتحول إلى محاولة شاقة لفهم إشارات ناقصة ورسائل متضاربة. وفي البيئات التي تشهد اشتباكات غير مباشرة أو ضربات متبادلة، يدفع هذا النقص في اليقين الخصوم إلى تبني سياسات احترازية قصيرة الأجل بدلاً من استراتيجيات طويلة المدى. وهكذا ينجح الطرف الذي يراكم الغموض في فرض إيقاعه الخاص على خصومه.

أما دبلوماسياً، فإن المشكلة لا تقل تعقيداً. فالغموض لا يربك فقط فهم الموقف الإيراني، بل يضعف أيضاً فعالية التفاوض والوساطة. فعندما لا يكون واضحاً من يمتلك القرار النهائي أو صلاحية تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، تصبح التسويات أكثر هشاشة، ويزداد خطر التعثر أو التصعيد غير المقصود.

 

غياب المرشد.. صعود الصمت إلى القمة

ويبلغ منطق الكتمان ذروته في الغموض الذي يحيط بغياب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، عن الظهور العلني منذ توليه المنصب، وسط تضارب واسع بشأن وضعه الصحي وحدود قدرته الفعلية على الإمساك بمفاصل القرار. فشحّ المعلومات الرسمية، وغياب التوضيحات المباشرة، وترك المجال مفتوحاً أمام تسريبات وروايات متناقضة، حول المسألة من مجرد غياب بروتوكولي إلى مصدر إرباك سياسي وأمني. والجدير ذكره أن المرشد الجديد لم يظهر علناً منذ تم اختياره، فيما تداولت معلومات أميركية وإسرائيلية روايات عن احتمال إصابته وربما مقتله خلال الضربات، من دون حسم مستقل ونهائي لهذه الروايات. وهكذا لم يعد الغموض محصوراً في السياسات والعمليات، بل امتد إلى قمة هرم السلطة نفسها، بما عمّق الالتباس لدى الخصوم والوسطاء، وجعل الصمت جزءاً من إدارة المشهد لا مجرد نتيجة له. 

بهذا المعنى، يمكن القول إن طهران نجحت إلى حد كبير، في تسخير كتمان المعلومات بوصفه سلاح يمنحها مزيداً من الوقت وهامشاً أوسع للمناورة، فيما تربك خصومها كلما تصاعد التوتر. إلا أن هذا السلاح ليس مجانياً. فالإفراط في الغموض، من حجب الإنترنت إلى الضبابية التي تلفّ هوية من يدير المفاوضات، قد ينقلب تدريجياً إلى عبء سياسي، يعمق العزلة، ويهز الثقة، ويدفع فرص التسوية إلى مزيد من الهشاشة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث