أتت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى سوريا، ولقاء الرئيس أحمد الشرع، في ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، وما نتج عنها من تعطّل في ممرات الطاقة المتجهة إلى أوروبا، إضافة إلى موجات التضخم الاقتصادي التي أثقلت كاهل العديد من الدول.
وقد أوضح زيلينسكي أن زيارته تندرج ضمن جهود دبلوماسية متواصلة تبذلها بلاده في الشرق الأوسط، بهدف تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران.
وعلى الرغم من أن الزيارة الحالية إلى دمشق تحمل طابعاً لافتاً، فإنها ليست الأولى من نوعها في سياق التواصل واللقاء بين الرئيسين، إذ سبقتها خطوات تمهيدية تمثلت في إعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على هامش أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليشكّل نقطة انطلاق جديدة لتفعيل القنوات الدبلوماسية وفتح آفاق التعاون المشترك.
مشروع جيوسياسي برعاية تركية
ووصل زيلينسكي إلى سوريا قادماً من تركيا، عقب لقاء جمعه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تناول ملفات الأمن والطاقة، وهي ذاتها القضايا التي أعلن الرئيس الأوكراني عزمه مناقشتها مع الجانب السوري، حيث يعكس هذا التسلسل في الزيارات وجود تنسيق ثلاثي بين كييف وأنقرة ودمشق، يهدف إلى بلورة تفاهمات استراتيجية في هذه المجالات الحيوية.
ويعتقد الكاتب السياسي عبد الله الحمد، في حديث لـ"المدن"، أن وصول الرئيس الأوكراني إلى سوريا على متن طائرة تركية، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية التركية هاكان فيدان إلى دمشق، يحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، ويشير إلى وجود مشاورات ثلاثية متقدمة، في وقت ناقش فيه الرئيس التركي ونظيره الأوكراني ضرورة إيجاد ممرات آمنة للطاقة، الأمر الذي تعززه الجغرافية السورية، إذ تشكل دمشق بوابة رئيسية لنقل الطاقة من الخليج العربي إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، كبديل عن مضيق هرمز.
من جانبه يرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية غسان يوسف، أن تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، شكل عبئاً متزايداً على الأوروبيين، وهو ما جرى بحثه في الزيارة، وعليه لا يمكن فصل هذا الحراك الدبلوماسي عن زيارة الرئيس الشرع الأخيرة إلى أوروبا، ولا سيما إلى ألمانيا وبريطانيا، الحليفين البارزين لأوكرانيا.
تعاون وتبادل اقتصادي
ومنذ سقوط نظام الأسد، أعلن الرئيس الأوكراني تزويد سوريا بالحبوب ومنتجات الزراعة على رأسها القمح، والدقيق، ومادة الزيت، وذلك في إطار الدعم الإنساني لسوريا، إذ عانت البلاد نتيجة لسنوات الحرب وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، على حقول القمح الرئيسية من نقص في احتياجاتها ما اضطرها للاستيراد.
ويلفت الحمد إلى أن أوكرانيا مصدّر رئيسي للقمح إلى سوريا، ومن الواضح أن ثمة عدة اتفاقيات تجريها دمشق لتعويض احتياجاتها ريثما تستعيد قدرتها على استثمار حقولها الزراعية في المنطقة الشرقية، خصوصاً بعد تحرير المنطقة من "قسد"، إضافة إلى أن هذه التعاون يشمل العديد من المنتجات الزراعية بما في ذلك الزيوت.
من جانبه، يشير يوسف في حديثه لـ"المدن"، إلى أهمية المشروع التركي القديم والذي يهدف إلى نقل النفط من الخليج عبر العراق وصولاً إلى تركيا ثم أوروبا، معتبراً أن سوريا، بعد التحولات التي شهدتها المنطقة، أصبحت الموقع الأنسب لتنفيذ هذا المشروع بدلاً من العراق.
ويعزز هذا الطرح ما أشار إليه المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، الذي تحدث عن ضرورة تجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز، وجعل سوريا معبراً رئيسياً للطاقة نحو أوروبا، مضيفاً أن أوكرانيا، بالتعاون مع تركيا، تسعى إلى رسم مسار اقتصادي جديد يربط الشرق الأوسط مباشرة بالقارة الأوروبية، ما قد يفضي إلى نشوء سوق بديلة تقلل الاعتماد على الممرات التقليدية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
تعاون أمني وعسكري محتمل
على الصعيد الأمني والعسكري، وقّعت أوكرانيا خلال جولة زيلينسكي في الشرق الأوسط عدة اتفاقيات طويلة الأمد مع كل من السعودية وقطر، حيث أشار زيلينسكي إلى اقتراب إتمام اتفاقيات مماثلة مع دولة الإمارات، وفي هذا الإطار، يجري بحث إمكانيات التعاون مع سوريا في مجالات الأمن والدفاع.
ويشير الحمد إلى أن أوكرانيا اكتسبت خبرة كبيرة في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ خلال حربها المستمرة منذ أربع سنوات مع روسيا، وهي خبرات قد تكون مفيدة لسوريا التي تسعى إلى إعادة هيكلة جيشها وتحديث قدراته التدريبية والتسليحية.
أما يوسف، فيلفت إلى أن أوكرانيا أثبتت كفاءة ملحوظة في مجال الدفاعات الجوية خلال الحرب، غير أن أي تعاون عسكري مع دمشق سيظل محكوماً باعتبارات إقليمية معقدة، في مقدمتها الموقف الإسرائيلي، الذي يراقب عن كثب أي تطور عسكري داخل سوريا، ويؤثر بشكل مباشر في تطور مساراته وحدوده.
