ما إن غادر نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، تركيا، الثلاثاء الماضي، بعدما التقى على رأس وفد رسمي رفيع، الرئيس رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية هاكان فيدان، حتى حضر صباح اليوم التالي مباشرة وفد قيادي من حركة حماس، استقبله أيضاً أردوغان أمس السبت، وقبل ذلك، فيدان، بعدما كان قد افتتح الزيارة بلقاء رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن.
بدا الحضور والمشهد الفلسطيني في تركيا لافتاً جداً مع تشابه في العناوين العريضة والعامة لجهة طلب دعم ومساعدة تركيا، القوة الإسلامية الإقليمية الكبرى الحاضرة والمنخرطة جدياً بالقضية الفلسطينية، ولعدم تهميشها تحت وطأة الانشغال العربي والإسلامي والدولي بالحرب الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران، وتداعياتها الاقتصادية وحتى الجيو-استراتيجية الهائلة والكارثية على المنطقة والعالم، ومنع الاستفراد الإسرائيلي بالفلسطينيين في غزة والضفة الغربية على حد سواء، وإدامة الخيار العسكري على الطاولة وحالة التوتر وعدم الاستقرار في الإقليم كله، بينما بدا تركيز حماس منصباً أكثر على تنفيذ اتفاق وقف اطلاق النار في غزة، خصوصاً بعدما قدم الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاى ميلادينوف، خطته لنزع السلاح واعتباره محوريا في تنفيذ خطة الرئيس دونالد ترامب واتفاق وقف اطلاق النار، على قاعدة كونها الوحيدة على الطاولة لإنقاذ غزة، أو ما تبقى منها، وخلق الأفق السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.
بداية ومنهجياً، يمكن الحديث عن عدة نقاط أساسية متعلقة بهذا الحضور والمشهد الفلسطينى لجهة القناعة بمكانة تركيا الراسخة وحضورها ونفوذها وتأثيرها كقوة إسلامية وإقليمية كبرى لا يمكن تجاهلها، خصوصاً مع استعدادها للمساعدة والانخراط كلاعب مركزي بالقضية الفلسطينية، وطلب دعمها لتحجيم التداعيات السلبية للحرب الإسرائيلية-الأميركية على القضية، كما لعدم استفراد الحكومة الأكثر تطرفاً بتاريخ الدولة العبرية بالفلسطينيين واستغلال انشغال المنطقة والعالم بالحرب لفرض مزيد من الوقائع على الأرض بقوة الاحتلال والسلاح في الضفة الغربية وغزة على حد سواء، كما رأينا بتوسيع الخط الأصفر وإغلاق المعابر في غزة، وإغلاق المسجدين الأقصى والإبراهيمي، ومزيد من الخطط التهويدية والاستيطانية في الضفة، إضافة إلى تمرير قانون إعدام الأسرى العنصري وغير الشرعي والمناقض للمواثيق الدولية كما الاحتلال بحد ذاته.
أما في التفاصيل، فثمة أمور أخرى يجب الانتباه إليها. فقد ضم الوفد الفلسطيني الموسع والرفيع إلى جانب الشيخ، رئيس المجلس الوطني روح فتوح، ورئيس جهاز الاستخبارات ماجد فرج، ومستشار الرئيس الدبلوماسي مجدى الخالدي، إضافة بالطبع إلى السفير في أنقرة نصري الجش، حيث اكتست الزيارة الطابع الرسمي، حتى في اللقاء مع الرئيس أردوعان الذي حضره فيدان وقالن ومستشار الرئيس للسياسة الخارجية عاكف تشاغاطاي، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة والناطق باسمها برهان الدين دوران، حيث تبدو القيادة الفلسطينية حريصة جداً على هذا الأمر كونها الشرعية "الرسمية" المعترف بها خارجياً، وهو أمر تتفهمه تركيا بالطبع بل وتدعمه حتى مع علاقتها القوية بحماس، لكن بدعوة دائمة إلى إنهاء الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسساتي وتشكيل قيادة فلسطينية موحدة يعترف بها العالم وتخاطبه بلغة ومواقف مشتركة يفهمها ويدعمها.
وبحسب مصادر مطلعة، طرح الوفد الفلسطيني الرسمي عدة نقاط أساسية، منها إبقاء القضية على جدول الأعمال وعدم تجاهلها أو تهميشها، ورفض الخطوات الإسرائيلية الأحادية، ودعم الصمود الفلسطيني في مواجهتها، مع إبقاء الأفق السياسي حاضراً ومفتوحاً نحو حل الحولتين، وبالطبع طلب الدعم التركي متعدد المستويات دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً لهذه النقاط.
بحانب ذلك، تريد القيادة الفلسطينية الرسمية فرض حضورها في ملف غزة، وعدم ترك الأمر لحماس، وتسعى لأن تكون شريكة أولاً في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المستند إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، باعتباره الوحيد على الطاولة ولا يجب مجرد التفكير في فشله، ومن ثم تعزيز انخراطها وحضورها طوال الفترة الانتقالية الموضوعة لتنفيذ الاتفاق والمحددة بعامين، وذلك إلى حين عودتها وتولي المسؤولية كاملة في غزة والضفة على حد سواء، وهو أمر تتفهمه وتدعمه تركيا التي ترى أن البديل قد يتمثل بعودة حرب الإبادة والمقتلة والتدمير والتهجير، في ظل الانتقائية الإسرائيلية في تنفيذ الاتفاق مع تفاهم فلسطيني وتركي على الحذر من هدف الاحتلال المضمر ببقاء الواقع الراهن على حاله في غزة، بالرغم من الدعاية الإسرائيلية الزائفة والمضللة.
الأمر يبدو مختلفاً ولو نسبياً فيما يخص اللقاءات مع وفد حماس، الذى ضم أساساً القيادات المعنية بالداخل، وهي مسؤول غزة خليل الحية، والضفة زاهر جبارين، مع التركيز أكثر على ملف غزة باعتباره المدخل الذى تعتمده الحركة في التعاطي العام مع القضية الفلسطينية، بينما تتبني السلطة الرسمية منطقاً معاكساً حتى مع التلاقي على الأهداف النهائية لجهة تنفيذ اتفاق وقف اطلاق النار في غزة بكافة مراحله وصولاً إلى الأفق السياسي والمسار نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.
تخشي حماس كذلك من تجاهل القضية الفلسطينية تحت وطأة وتداعيات الحرب على إيران، وتتحسب من الاستفراد الإسرائيلي بغزة تحديداً، ومواصلة انتهاك اتفاق وقف اطلاق النار، وتطلب من تركيا ممارسة دورها كضامن ووسيط مع مناقشة مستفيضة لخطة ميلادينوف لنزع السلاح بوصفه المدخل نحو تنفيذ الاتفاق والبنود المركزية الأخرى المهمة -الانسحاب الاسرائيلي وعمل لجنة إدارة غزة والتعافي المبكرة وإعادة الاعمار- حيث تتبني تركيا مع الوسطاء -قطر ومصر- مقاربة تستند أساساً إلى المصالح الوطنية الفلسطينية، وتربط نزع السلاح بالآلية الداخلية وجدول زمني مرن، وتمكين اللجنة من ممارسة مهامها ومسؤولياتها، وبالطبع الانسحاب الاسرائيلي التام من غزة.
بالعموم وبعد النصائح التقليدية والدائمة للوفدين بإنهاء الانقسام وتشكيل قيادة موحدة والاستعداد لتقديم المساعدة إذا ما طُلبت منها، جددت تركيا مواقفها بدعم تنفيذ جاد ونزيه لاتفاق وقف اطلاق النار في غزة بكافة مراحله، والتيقّظ لبقاء القضية على جدول الأعمال الإقليمي والدولي، ومواصلة تقديم الدعم متعدد المستويات والجوانب للشعب الفلسطيني في نضاله العادل من أجل نيل حقوقه الوطنية المشروعة بالسيادة والاستقلال وتقرير المصير.
