قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يُعيد توحيد الشارع السوري

خاص - المدنالأحد 2026/04/05
اسرى فلسطينيون (Getty).jpg
أسرى فلسطين يوحدون الشارع السوري (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في بداية شهر نيسان/أبريل 2026، لم يكن السوريون بحاجة لدافع إضافي ليشعروا بالثقل، فالحياة اليومية وتحدياتها كفيلة بذلك. لكن الخبر القادم من أروقة الكنيست الإسرائيلي بشأن إقرار قانون يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين، نزل كالصاعقة التي شقت سكون المدن من دمشق إلى حلب، ومن درعا جنوباً إلى اللاذقية غرباً. لم يكن القرار مجرد نص تشريعي بعيد، بل كان طعنة في وجدان يسكن كل بيت سوري، فالمعتقل والأسر هما جرحان يعرفهما السوريون جيداً، وفلسطين بالنسبة لهم ليست مجرد خارطة، بل هي "البوصلة" التي يضبطون عليها انتماءهم مهما تاهت بهم السبل.

 

مشهد من دمشق: الحناجر لا تصدأ

في منطقة "القصاع" العريقة بدمشق، لم تكن المظاهرة التي انطلقت هناك مجرد تجمع روتيني. المشهد كان عفوياً لدرجة تربك أي مراقب. هنا، شاب في العشرين من عمره، يرتدي الكوفية الفلسطينية فوق قميص عصري، يصرخ بأعلى صوته: "يا أسير ارتاح ارتاح.. إحنا بنواصل الكفاح". وبجانبه سيدة دمشقية، تبدو وكأنها خرجت للتو من سوق الجزماتية، ترفع لافتة كرتونية كُتب عليها بخط عريض: "أسرانا أحياء في قلوبنا، والمـوت لقراركم الظالم".

مصادر ميدانية أكدت  لـ"المدن" أن التحركات في دمشق لم تكن "مركزية" فقط، بل توزعت في نقاط حيوية. الحضور الشعبي كان مزيجاً من الطلاب، الموظفين، وأهالي المخيمات. في أزقة دمشق القديمة، كان الحديث في المقاهي يتمحور حول شيء واحد: "كيف يجرؤون على تشريع القـتل؟". هذا الغضب لم يكن منظماً من جهة عليا بقدر ما كان انفجاراً لمشاعر مكبوتة وجدت في القضية الفلسطينية متنفساً أخلاقياً وإنسانياً لا يمكن لوم أحد عليه.

 

مخيم اليرموك: الجرح الذي يضمد الجرح

لا يمكن الحديث عن فلسطين في سوريا من دون المرور بمخيم اليرموك. رغم كل ما مر به المخيم من دمار ومحاولات ترميم، إلا أنه انتفض كعادته. في اليرموك، المسألة ليست تضامناً مع "الآخر"، بل هي صرخة من أجل "الذات". التقينا بـ "أبو العبد"، وهو لاجئ فلسطيني في السبعين من عمره، كان يجلس على كرسي خشبي أمام أنقاض منزله، قال وعيناه تفيضان بالمرارة: "نحن هنا في الشتات نعاني، لكن قلوبنا في السجون هناك. قرار الإعدام هذا هو محاولة لإعدام الأمل، لكنهم لا يعرفون أن الفلسطيني والسوري خُلقا من طين لا ينكسر".

المسيرات في المخيم وفي "خان شيخون" كانت تحمل طابعاً جنائزيّاً وقوراً في آن واحد. الهتافات كانت رصينة، والوجوه كانت تحمل غضباً هادئاً، وكأن لسان حالهم يقول: "لقد جربنا كل أنواع الألم، ولن يرهبنا قرار ورقي". المصادر أكدت لـ "المدن" أن التنسيق بين اللجان الشعبية في المخيمات كان في أعلى مستوياته لضمان أن تصل الرسالة بوضوح: "الأسرى خط أحمر".

 

درعا والشمال والساحل: تلاحم جغرافي نادر

وفي محافظة درعا مهد انطلاق لثورة السورية، مهد التحولات الكبرى، أخذ التضامن شكلاً مختلفاً وأكثر ديمومة. في درعا، الجدران هي التي تتحدث. استيقظ الأهالي ليجدوا شعارات جديدة زُينت بها جدران المدارس والمباني العامة: "من حوران لـ القدس.. شعب واحد ونفس واحد"، و*"قانون الإعدام ولادة جديدة للمقاومة"*.

مراقبون في الجنوب السوري أشاروا لـ "المدن" إلى أن هذه الكتابات ليست مجرد "غرافيتي"، بل هي رسائل سياسية بامتياز. درعا التي عانت ما عانته، تدرك تماماً معنى "الاعتقال"، لذا كان التفاعل مع قانون الأسرى الفلسطينيين تفاعلاً "عضوياً". لم يخرج الناس في مظاهرات كبرى خوفاً من التعقيدات الأمنية أحياناً، لكن الغليان في البيوت والمضافات كان لا يخطئه عقل. الوجهاء في حوران تحدثوا في مجالسهم عن ضرورة الوقوف صفاً واحداً، مؤكدين أن "الكرامة لا تتجزأ"، وأن ما يحدث في غزة والضفة والقدس يتردد صداه في سهول حوران.

أما في حلب، كانت الصورة تعكس روح المدينة الصامدة. من "الفرقان" إلى أحياء حلب القديمة، خرج الطلاب في وقفات احتجاجية صامتة تارة، وصاخبة تارة أخرى. حلب، التي تنشغل دائماً بإعادة إعمار نفسها، توقفت لبرهة لتقول إنها "بنت القضية". أما في اللاذقية، فقد شهدت الكورنيشات والساحات العامة تجمعات شبابية رفعت الأعلام الفلسطينية بجانب السورية، في مشهد يعكس أن الساحل السوري، كالجبل والداخل، يغلي للسبب نفسه.

 

التحليل السياسي: لماذا الآن؟ وما هي الوظيفة؟

بمنأى عن العاطفة، يطرح المحللون سؤالاً جوهرياً: ما الذي يعنيه هذا الحراك في توقيته الحالي؟ عام 2026 ليس عاماً عادياً في المنطقة. الضغوط الدولية تزداد، والملفات الإقليمية تتشابك بين النفوذ الإيراني، والتعنت الإسرائيلي، والبحث السوري عن استقرار مفقود.

توحيد الشتات الداخلي: في ظل الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي خلفتها سنوات الأزمة، تأتي القضية الفلسطينية كـ "المغناطيس" الوحيد القادر على جمع السوريين تحت راية واحدة دون تخوين أو مزايدة. إنها المساحة "الآمنة" للوطنية السورية.

 امتصاص الاحتقان: لا يمكن إنكار أن الجهات الرسمية والاجتماعية في سوريا ترى في هذه المظاهرات "صمام أمان". في ظل الضغوط الاقتصادية الخانقة، يجد المواطن في التظاهر لأجل فلسطين وسيلة للتعبير عن غضبه العام، وتفريغ طاقة الاحتجاج في قضية عادلة ومجمع عليها، مما يخفف الضغط عن الملفات الداخلية المتفجرة.

 الرسالة الإقليمية: سوريا، عبر هذه التحركات الشعبية، ترسل برقية للخارج بأن "المزاج الشعبي" ما زال مرتبطاً بعمق بالصراع العربي الإسرائيلي، وهي ورقة قوة سياسية تُستخدم للتأكيد على أن أي تسويات إقليمية لا يمكن أن تتجاهل حقوق الشعوب.

 

رمزية الصرخة في زمن العجز

من الناحية الواقعية، يعلم كل متظاهر خرج في حمص أو حماة أو دمشق أن صوته لن يوقف قلم "بن غفير" وهو يوقع القانون، ولن يمنع "الكنيست" من التطرف. لكن، وكما قال أحد الناشطين لـ "المدن": "نحن لا نتظاهر لنغير إسرائيل، نحن نتظاهر لكي لا نتغير نحن. لكي لا تعتاد آذاننا على سماع خبر إعدام أسير وكأنه خبر عن الطقس".

هذه "الرمزية" هي ما يخشاه الاحتلال؛ أن تظل الأجيال الشابة، التي لم تعش حروب 1967 أو 1973، مرتبطة عاطفياً وفكرياً بالقضية. جيل 2026 في سوريا، رغم كل "العولمة" والتشتت، أثبت أنه يملك وعياً فطرياً بالعدالة.

 

تأثير "الميديا" والواقع الافتراضي

إلى جانب الشارع، كان "الشارع الرقمي" السوري يغلي. وسم (هاشتاغ) #لا_لإعدام_الأبطال و #سوريون_لأجل_فلسطين تصدر الترند في دمشق وحلب. المؤثرون السوريون، الفنانون، وحتى المواطنون العاديون، حوّلوا صفحاتهم إلى منصات إعلامية بديلة. هذا التلاحم الرقمي ساند التحرك الميداني وأعطاه زخماً دولياً، حيث التقطت وكالات الأنباء العالمية صور المظاهرات السورية، مما أعاد تذكير العالم بأن "قلب العروبة النابض" ما زال يضخ دماً فلسطينياً.

إن ما شهدته المحافظات السورية في ربيع 2026 لم يكن مجرد رد فعل عابر على قانون جائر، بل كان استعادة للهوية. في بلد يبحث عن هويته وسط الركام، جاءت فلسطين لتقول للسوريين: "أنتم لستم وحدكم، وجرحكم جزء من جرح أكبر".

بين الغضب الشعبي الصادق، والاستثمار السياسي الذكي، والواقع الإقليمي المعقد، تظل حقيقة واحدة ثابتة: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين قد يمر في أروقة الكنيست، لكنه سقط سقطة مدوية في شوارع سوريا. سقط لأن "الإعدام" لا يرهب من يرى في الأسرى "حياة"، ولأن الشارع السوري، برغم تعبه، أثبت أنه ما زال يملك القدرة على الغضب، والقدرة على الحب، والقدرة على الوفاء لقضية كانت وستبقى.. "خطاً أحمر".

فلسطين في وجدان السوريين ليست ملفاً للمفاوضات، بل هي "صلاة" يومية يؤديها الصغار قبل الكبار، وما مظاهرات آذار ونيسان 2026 إلا فصل جديد في كتاب طويل من التآخي المعمد بالدم والدموع والكرامة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث