إسرائيل تصعّد في الجنوب السوري: ضغط لانتزاع مكاسب سياسية

خاص - المدنالأحد 2026/04/05
Image-1774293559
123 حادثة في الجنوب السوري منسوبة لإسرائيل الشهر الماضي (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

تشهد محافظتا درعا والقنيطرة في الجنوب السوري تصعيداً لافتاً في وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتوازي مع تحركات شعبية آخذة في التوسع والاقتراب من مناطق الاحتكاك الحدودي، في مشهد يعكس تحولاً نوعيا في ديناميات الصراع، ويثير تساؤلات جدية حول أهداف هذا التصعيد واحتمالات تطوره خلال المرحلة المقبلة.

ووفق تقرير حديث صادر عن مركز الأبحاث والاستشارات "SARI Global"، ونشر عبر منصة الأمم المتحدة، فإن النشاط الإسرائيلي في الجنوب السوري لم يعد يقتصر على ضربات محدودة أو عمليات موضعية، بل بات يستند إلى ما وصفه التقرير بأنه "بنية أمنية قسرية" تهدف إلى إدارة جبهة غير مستقرة، خصوصاً في القنيطرة وغربي درعا.

 

تصاعد في وتيرة العمليات

ووثّق التقرير 897 حادثة منسوبة لإسرائيل في الجنوب السوري، بينها 123 حادثة خلال شهر آذار/مارس الماضي وحده، مقارنة بـ91 حادثة في كانون الثاني و97 في شهر شباط، ما يعكس تصاعداً واضحاً في النشاط العسكري، وليس حالة استقرار كما يفترض.

الأخطر، بحسب التقرير، يتمثل في التداخل غير المسبوق بين النشاط العسكري والتحركات الشعبية، إذ شهدت الأيام الماضية من آذار وبداية نيسان/أبريل الجاري، انتقال الاحتجاجات من داخل المدن إلى تخوم مناطق التماس، في مؤشر على تغير طبيعة الحراك المحلي.

وشهدت مدن وبلدات عدة في ريف درعا، بينها طفس ونوى وجاسم وانخل والحراك والشيخ مسكين والصنمين ونصيب، تحركات ليلية، وصل بعضها إلى محيط القنيطرة وبلدة الرفيد، ما قلّص المسافة بين الاحتجاج المدني والمجال الأمني، ورفع من احتمالات الاحتكاك المباشر.

 

دوافع الحراك الشعبي

ويرى الباحث في الشأن السياسي والعسكري رشيد حوراني، في حديث لـ"المدن"، أن اندفاع الأهالي نحو مناطق الاشتباك، "لا يمكن فصله عن جملة من العوامل المتراكمة، في مقدمتها تصاعد التوغلات البرية الإسرائيلية منذ سقوط النظام السابق"، على الرغم من "التطمينات المتكررة" التي قدمتها الحكومة السورية بعدم تهديد أمن الجوار.

ويشير حوراني إلى أن الممارسات الإسرائيلية على الأرض، من اعتقالات متكررة لسكان محليين، ترافقت مع تأثيرات أوسع مرتبطة بالغضب الشعبي من السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة.

 

أهداف إسرائيلية محتملة

وتشير المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية إلى أن إسرائيل قد تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف الدولة السورية ومنعها من تثبيت حضورها في الجنوب، إضافة إلى تجنب الدخول في اتفاقيات ملزمة قد تقيّد حركتها العسكرية.

كما يطرح حوراني احتمال أن تكون إسرائيل بصدد محاولة إنشاء منطقة "آمنة" وفق رؤيتها الخاصة، تقوم على إبعاد السكان الأصليين وفرض واقع أمني يسمح بحرية الحركة والاستطلاع، في نموذج يقترب من تجارب أخرى في المنطقة.

وفي السياق، يقول الخبير الأمني والاستراتيجي العميد منير الحريري، في حديث لـ "المدن"، إن إسرائيل منذ بدء مرحلة ما بعد التحرير تعاملت مع الجنوب السوري بوصفه تهديدا محتملاً، فسارعت إلى السيطرة على الشريط الحدودي بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات، ومنعت السكان من الاقتراب، قبل أن تبدأ لاحقاً بمحاولات التوغل داخل بعض القرى.

ويضيف أنه مع فشلها في استمالة الوجهاء المحليين، لجأت إلى ذرائع أمنية لتبرير عملياتها، من بينها وجود خلايا مسلحة أو تهديدات محتملة، في حين أن الهدف الفعلي يتمثل في ممارسة ضغط سياسي على سوريا، بهدف انتزاع مكاسب في أي مفاوضات مستقبلية.

 

سيناريوهات مفتوحة

في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمسار التصعيد في الجنوب السوري:

السيناريو الأول، وفق حوراني، يرتبط بالمدى المتوسط، ويقوم على فرضية انتهاء التوترات الإقليمية، خصوصاً في حال تراجع حدة الصراع المرتبط بإيران، ما قد يفتح الباب أمام استئناف مفاوضات برعاية دولية، تفضي إلى إعادة تفعيل فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن نوعاً من الاستقرار.

أما السيناريو الثاني، وهو الأقرب زمنياً، فيتعلق باستمرار التصعيد الشعبي كأداة ضغط ميداني، يهدف إلى إيصال رسالة مزدوجة، مفادها رفض التوغلات الإسرائيلية من جهة، والمطالبة بدور أكبر للدولة السورية في ضبط الحدود من جهة أخرى.

 

هل يتحول الجنوب إلى نقطة اشتعال؟

يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان الجنوب السوري مرشحاً للتحول إلى بؤرة اشتعال أوسع في المرحلة المقبلة.

وتشير العمليات الحالية إلى أن المنطقة تقف عند مفترق طرق حساس، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع الغليان الشعبي، في ظل غياب ترتيبات أمنية مستقرة، وتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين.

وبالرغم من أن بعض التقديرات تستبعد اندلاع مواجهة شاملة في المدى القريب، لكن استمرار العمليات الإسرائيلية وتوسع رقعة الاحتجاجات قد يرفع من احتمالات الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا ما ترافقت مع تطورات إقليمية موازية.

في المحصلة، يبدو أن الجنوب السوري يدخل مرحلة جديدة من التوتر المركب، حيث لم يعد الصراع محصوراً في العمليات العسكرية، بل بات يتداخل مع حراك شعبي يعكس عمق الأزمة، ويضع المنطقة أمام اختبار مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين الاحتواء والتصعيد.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث