كيف عجّلت الحرب على إيران تعاون سوريا والعراق بمجال الطاقة؟

Image-1775221132
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

تدفقت إلى الأراضي السورية آواخر شهر آذار/ مارس الماضي، أولى قوافل مادة الفيول آتية من الأراضي العراقية باتجاه الموانئ السورية على البحر المتوسط، تمهيداً لتصديرها إلى بلدان أوروبا الصناعية، كما أكدت شركة تسويق النفط العراقية أنها وقعت اتفاقية مع سوريا لتصدير 50 ألف برميل نفط عبر البحر المتوسط، مع خطط لزيادة هذه الكميات مستقبلاً.

وفي آب/ أغسطس من العام الماضي، زار وزير الطاقة السورية محمد البشير، بغداد، وأجرى مباحثات مع حكومة محمد شياع السوداني حول ملفي الطاقة والمياه، وناقش الجانبان مسألة تصدير النفط العراقي إلى أوروبا عبر ميناء بانياس السوري الواقع على البحر المتوسط، لكنهما لم يتخذا إجراءات فعلية بهذا الخصوص نتيجة عراقيل عديدة، أهمها أن الحكومة السورية في حينها لم تكن تسيطر على كامل الحدود السورية-العراقية، بالإضافة إلى خلافات داخل العراق بخصوص تطوير العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة التي تولت إدارة البلاد عقب الإطاحة ببشار الأسد، إلا أن التطورات الأخيرة ومن ضمنها الحرب الإيرانية الأمريكية وما أفرزته من تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية على العراق، عجّلت فيما يبدو القيام بخطوات عملية.

 

تفعيل خط كركوك-بانياس

يعود تأسيس خط كركوك-بانياس لتصدير النفط، إلى العام 1952، ويبلغ طوله 800 كيلومتر، ووصلت طاقته إلى تصدير 300 ألف برميل يومياً، لكنه توقف عن العمل فعلياً منذ العام 2003، وتعرض لأضرار خلال الحرب في سوريا، لكن دمشق وبغداد تجريان منذ عدة أشهر اتصالات من أجل إعادة تأهيله وزيادة كمية التصدير عن طريقه، لتصل إلى قرابة مليون برميل يومياً.

واعتمد العراق في الأعوام الماضية بشكل رئيسي على تصدير النفط عبر ميناء البصرة، بالإضافة إلى خط كركوك-جيهان، الذي يربط حقول وآبار النفط العراقية بميناء جيهان التركي على شواطئ البحر المتوسط، والذي توقف عن العمل عام 2023 بسبب خلافات بين الحكومة المركزية العراقية وتركيا، قبل أن يعاود العمل في آواخر آذار/ مارس الماضي، حيث من المقرر أن تصل قدرته إلى تصدير 250 ألف برميل يومياً، لكن من الواضح أن العراق يريد إضافة خط كركوك-بانياس إلى الخيارات الرئيسية في تصدير النفط.

وعلى وقع الحرب الإيرانية-الأميركية، شهد مطلع نيسان/ أبريل الجاري، مباحثات جديدة بين وزارة الطاقة السورية، ووزارة النفط العراقية من أجل تعزيز التعاون في مجال الطاقة، وفي مقدمتها تفعيل خط كركوك-بانياس.

 

دوافع أمنية وسياسية تسرّع تطوير التعاون 

لا يمكن إغفال الاعتبارات الاقتصادية التي تدفع باتجاه التعاون العراقي السوري في تصدير النفط، حيث يحقق هذا التعاون مكاسب اقتصادية ملموسة للطرفين، إلا أن هذه الاعتبارات لم تكن كافية في السابق للمضي قدماً في التعاون، لولا أن أضيف لها حالياً دوافع أمنية وسياسية، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب العراقي.

أدى إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة، إلى صعوبة استمرار تصدير النفط العراقي عبر ميناء البصرة، وساهم هذا في مسارعة بغداد إلى فتح معبر الوليد الحدودي مع سوريا، وتجاوز اعتراضات الفصائل المسلحة الموالية لإيران، التي كانت تعرقل تطور التنسيق بين بغداد ودمشق.

أيضاً، فاقمت الحرب الخلافات بين بغداد وإقليم كردستان العراق التي كانت موجودة أصلاً، على وقع التحالف بين أربيل عاصمة الإقليم والولايات المتحدة التي تقيم في الأولى قاعدة عسكرية وأمنية كبيرة، بالإضافة إلى احتضان الإقليم للفصائل الكردية المعارضة للحكومة الإيرانية، والتي تحدثت تسريبات عن اتصالات بينها وبين واشنطن للمشاركة في عملية إسقاط النظام الإيراني، حليف بغداد.

ما سبق جعل أربيل وجهة مفضلة للصواريخ الإيرانية، إضافة إلى هجمات فصائل منضوية ضمن الحشد الشعبي المرتبط بالحكومة العراقية، وهذه التوترات تجعل التصدير عبر خط كركوك-جيهان الذي يمر أجزاء منه ضمن إقليم كردستان العراق، غير مستقر.

يوجد خلافات سابقة مستمرة بين بغداد وأربيل على ملف النفط وعائداته، في ظل انقسام السيطرة على آبار وحقول النفط في كركوك، حيث يطالب الإقليم منذ مدة بصياغة اتفاقيات جديدة تجعل منه شريكاً في ملف الطاقة مع حكومة بغداد الاتحادية، مع التلويح بوقف التصدير عبر خط كركوك-جيهان، أو تقليصه.

كما عاشت العراق في فترة سابقة خلافات مع الجانب التركي من أجل التصدير عبر ميناء جيهان، حيث دفعت أنقرة في العام 2022 باتجاه تطوير الاتفاقيات بهذا الخصوص، بصورة تضمن لها زيادة مكاسبها الاقتصادية والسياسية.

 

تطوير التعاون مع سوريا

نظراً للاعتبارات السابقة، يطمح العراق فيما يبدو إلى تنويع خياراته وشراكاته، وتوقيع اتفاقيات متوازنة مع سوريا التي تمر بمرحلة إعادة بناء، تضمن مكاسب أعلى لبغداد، مستفيداً من توسع هوامشه إزاء طهران في ظل ما تعانيه الأخيرة من ضغوطات عسكرية وسياسية بهدف تقليص نفوذها في المنطقة، خصوصاً في العراق، حيث كانت إيران تعرقل مثل هذه المشاريع.

ووفرت الموافقة الأميركية على تطوير التعاون بين بغداد ودمشق فرصة لتعزيز التعاون، بعد أن كانت واشنطن تعارض تطويره في عهد نظام الأسد المصنف ضمن خانة أعداء واشنطن، على عكس الحكومة السورية الحالية التي انخرطت في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من ظهور بوادر أولية لتعزيز التعاون بين دمشق وبغداد في مجال الطاقة، إلا أنه من غير المستبعد ظهور عوائق، ومنها أن تكثّف إيران ضغطها على الحكومة العراقية عبر أدواتها في العراق لمنع تطور التعاون حال وجدت أنها لن تكون قادرة على توظيف المشروع لصالحها، خصوصاً وأنه يشكل مناورة للعراق لتقليص الاعتماد على مضيف هرمز، كما من المحتمل أيضاً أن تعمل أربيل على إقناع الجانب الأميركي بعرقلة المشروع الذي لا يخدم مصالحها، ويصب في صالح بغداد ودمشق بدرجة رئيسية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث