زيارات الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا، وتراجع حكومته عن التدخل عسكرياً في لبنان بحجة كبح جماح دخول عناصر من حزب الله الى الأراضي السورية، وتجنُّب اتخاذ أي موقف من الحرب الدائرة – باستثناء التضامن مع دول الخليج العربي – لم يُحيّدها عن دائرة الضوء. هي بقيت في قلب الحدث، والتداعيات الخارجية للحراك السوري، كما ارتدادات بعض الخطوات الداخلية المُتسرِّعة؛ لاقت اهتماماً استثنائياً، وقد تتفاعل انعكاسات هذا الاهتمام أكثر فأكثر في المستقبل القريب.
يمكن ذكر ثلاثة محطات هامة في السياق المنوه له أعلاه:
أولاً: أي منحى لنهاية الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وايران وحلفائها من جهة ثانية، سيكون له انعكاسات على الساحة السورية. فنهاية من دون هزيمة لإيران سيؤدي الى إعادة تجميع أوراق الضغط التي تمتلكها من خلال الحشد الشعبي في العراق، ومن خلال حزب الله في لبنان، لمضايقة الإدارة السورية الجديدة، وطلب تحصيل ما تسميه الديون السيادية والتي دفعتها طهران مساندةً للنظام البائد، وهي تقارب الـ 50 مليار دولار، كما ستحاول إعادة تشغيل مجموعات تابعة لها لتوفير امدادات لحليفها اللبناني عبر الأراضي السورية. أما انتصار إسرائيل فسيؤدي حكماً الى بروز متاعب اضافية أمام الإدارة السورية، نظراً للطموحات العدوانية التي تضمرها اتجاه سوريا.
ثانياً: الوقائع التي فرضتها الحرب حتى الآن، سلَّطت الضوء على أهمية الجغرافيا السورية، وبدأ التعاطي بجدية مع استخدام هذه المكانة لحلّ جزء من المأزق الاقتصادي الاستراتيجي الناتج عن إقفال مضيق هرمز، واحتمال إقفال مضيق باب المندب، وبالتالي يمكن تمرير قسم كبير من الصادرات النفطية وغير النفطية عبر الأراضي السورية وموانئها. وبالفعل فقد بدأت الصهاريج العراقية تنقل النفط الى ميناء طرطوس بما يزيد عن 650 ألف طن شهرياً وفق العقد الجاري تنفيذه، كما بدأ اصلاح الأنابيب التي تربط بين كركوك العراقية والساحل السوري وهو متوقف منذ العام 2003، كذلك بدأ العمل بتأهيل خط "التابلاين" القادم من السعودية، ومباحثات الرئيس الشرع في أوروبا تناولت بناء شراكة في مجال الطاقة مع ـلمانيا، وهناك اتصالات متقدمة ذات صلة تجري بواسطة الأردن لتعزيز المعبر البري "كوريدور الشرق الأوسط"، وأشار اليها المبعوث الأميركي الخاص توم باراك.
ثالثاً: الوضع الداخلي في سوريا لا يسير بالاتجاه الذي يخدم الدور الجديد المُنتظر للبلاد، فهناك ملفات لا بد من معالجتها، لا سيما موضوع الحريات العامة، وحفظ حقوق الإنسان عن طريق تطبيق فعلي لمندرجات الإعلان الدستوري الذي وقَّعه الشرع في 13 آذار/ مارس 2025، وتضمَّن احترام التنوع في سوريا. وما يجري من هجمات وإجراءات فئوية في أكثر من منطقة، لا يتطابق مع مضمون الإعلان، وهو يسيء لمكانة سوريا، ويُعيق مسيرة التعافي وإعادة الإعمار، لأن الشرط الأساسي لنجاح هذه الرؤى التي تتبناها الإدارة السورية الجديدة؛ هو وجود قانون صارم يحفظ كرامة كل المكونات السورية، ويضبط أي تفلُّت أمني، ويقمع أي تعدٍ، ويمنع إصدار مذكرات فئوية ومناطقية فيها تمييز عنصري، كما حصل مع مذكرة محافظ دمشق الأخيرة التي منع فيها تقديم المشروبات الروحية في المطاعم، وأشار الى تقسيم أحياء المدينة، منها ما يُسمح فيه ببيع المشروبات، (كباب توما وباب شرقي) ومنها ما يُمنع فيها مثل هذا البيع.
جاء في مذكرة صادرة عن بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الكاثوليك يوسف العبسي، في 28 آذار/ مارس الماضي؛ طلب إلغاء احتفالات الفصح لهذا العام في كنائس دمشق نظراً للأوضاع الراهنة غير المشجعة، في إشارة واضحة للتوتر الذي نتج عن قرار المحافظ منع تقديم المشروبات الروحية، وتمييز الأحياء المسيحية عن باقي أحياء المدينة، والهجمات الطائفية التي استهدفت مدينة السقيلبية المسيحية في ريف حماه، وقد حصلت مظاهرات اعتراضية ضد السلطة في أكثر من مكان. هذه الأجواء لا توفر ظروف نجاح لخطة النهوض التي رسمتها الحكومة السورية الجديدة، وهي تُعيد التذكير بنهج القمع الذي كان يمارسه نظام الأسد. وبناء تفاهمات مع الدول الأوروبية والدول المحيطة؛ يحتاج إلى ليبرالية تحترم حقوق الانسان والحريات العامة. والمجتمع الدولي كما غالبية الشعب السوري مُمتعض من الأعمال المتفلِّتة التي تقوم بها بعض المجموعات المُتشددة، وغالبيتهم محميِّين من مراكز قوى في السلطة الحالية.
سوريا دولة مهمة، ولها دور مستقبلي واعد، ولكن ظروف نجاح هذا الدور متوقف على المرونة التي قد تعتمدها الإدارة الجديدة، وعلى تطبيق القانون على مكونات الشعب السوري بمجمله من دون أي تمييز. أما فرض نظام ديني متشدِّد، فسيفاقم الاضطرابات الداخلية، وسيمنع سوريا من لعب الدور الذي يتحدث عنه قادتها اليوم، وسيفتح الباب أمام التدخلات الخارجية المؤذية، لا سيما من إسرائيل التي تتربص شراً بدمشق.
