بعد مرور شهر على بدء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، يسير مسار هذه الحرب كما كنت قد ذكرت في ملاحظاتي السابقة. هذه الحرب، التي كان الدافع الأساسي لإشعالها القضاء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تحقق مبتغاها بل منحتها ثقة أكبر بالنفس. فقد تمكنت إيران من بيع عشرات الملايين من البراميل النفطية التي كانت عالقة في البحار بلا زبائن. كما حصلت، بدعم جماهير الشعب ونتيجة ضغط الهجوم العسكري الخارجي، على قدر كبير من الشرعية الاجتماعية. والأهم من ذلك، أنها استطاعت أن تجعل سردیتها حول نيات العدو مقنعة بسهولة للرأي العام، بحيث بات عامة الناس يصدقون أنَّ إيران هي الهدف الرئيسي للهجوم وليس الجمهورية الإسلامية.
لقد رأى الناس أن الحرب لم تستثنِ المدارس الابتدائية ولا سيارات الإسعاف ولا المستشفيات ولا الاحياء السكنية. وهم يرون أساساً أن الهجوم العسكري على المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية يفتقر إلى أي شرعية قانونية، لأن إيران ومشروعها النووي لم تكن تشكل أي خطر على الأمن والسلام العالميين. كما أن ذريعة قمع المتظاهرين لم تكُن سوى مبرر لشن الهجوم العسكري وتدمير البنية التحتية لإيران، لا لفتح الطريق أمام الديمقراطية في البلاد. فالكثير من الدول الحليفة للولايات المتحدة في العالم هي دول قمعية وغير ديمقراطية، والولايات المتحدة لا ترى من واجبها خوض الحروب من أجل إقامة الديمقراطية في تلك الدول.
كما أن الحكومات الأميركية السابقة خلال الأعوام السبعة والأربعين الماضية، لم تدخل في حرب مباشرة مع إيران، لأنها كانت تدرك جيداً الجغرافيا السياسية لإيران، وكانت تعلم أن الاضطراب والفوضى في إيران سيؤثران على كامل منطقة الشرق الأوسط. فضلاً عن ذلك، فإن الشعب الإيراني لا يتراجع أمام المعتدي الأجنبي، إذ إن العزة والكرامة لديه أهم من الربح والمنفعة.
لقد هاجم الرئيس دونالد ترامب إيران بوعد إعادة العظمة والازدهار الاقتصادي السابقين إليها، لكنه لم يكن يعلم أن الإيرانيين لا يبيعون عزتهم مقابل العظمة الاقتصادية. وهذه النقطة تعكس بدقة عقلية الشعب الإيراني.
الشعب الإيراني يرى هويته في العزة لا في المنفعة المادية، وأمام جرح كرامته الوطنية يتبنى استراتيجية الانتقام. قد يكون الانتقام مكلفاً، وربما يبدو من الناحية الاقتصادية غير معقول عند قياس الربح والخسارة، لكنه من منظور الشعوب الصلبة يبدو معقولاً وعقلانياً و محتملاً.
ربما لا يصدق البعض ذلك أن موضوع الهجوم النووي الأميركي على المدن اليابانية، يُذكر في المناهج الدراسية في نظام التعليم الإيراني بشكل أكثر تفصيلاً مما هو عليه في نظام التعليم الياباني.
يبدو الآن أن إيران، بفضل قوتها الصاروخية، قد تجاوزت مرحلة المقاومة الدفاعية ودخلت مرحلة المقاومة الهجومية. فالمقاومة الهجومية والانتقامية ستؤدي إلى إعادة بناء العزة الوطنية الإيرانية التي جُرحت.
وعندما كنت أنوي كتابة هذا المقال شاهدت بالصدفة مقطع فيديو يتداوله المستخدمون في الفضاء الافتراضي الإيراني بعنوان: "انتقام واحد من أجل الجميع". ويعرض هذا المقطع صوراً تبدأ بالسكان الأصليين لأميركا، مروراً بضحايا هيروشيما وناكازاكي، وضحايا حرب فيتنام، وضحايا الاستغلال الجنسي في جزيرة إبستين، وشهداء لبنان، وضحايا حرب الإبادة في غزة، وطلاب مدرسة ميناب الابتدائية، ليقول إن إيران تسعى إلى انتقام واحد لكل هذه الجرائم.
إن مفهوم الانتقام مفهوم أساسي في الإسلام الإيراني والشيعي. فقد وقع أول تحرك انتقامي في الإسلام الشيعي بعد حادثة كربلاء سنة 61 هجرية، عندما قام المختار الثقفي، بمساعدة الموالي من الإيرانيين، بالانتقام لدم الحسين بن علي من جيش يزيد. كما يمكن تحليل حادثة السابع من أكتوبر في ظل هذه النظرية والاستراتيجية نفسها، إذ كانت تلك الحادثة حركة انتقامية ضد إسرائيل.
لقد تلقت إيران خلال الشهر الماضي ضربات قاسية، وفقدت العديد من قادتها وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار قادة القوات المسلحة، كما دُمرت كثير من بنيتها التحتية. ومع ذلك لم تستسلم كما وعد ترامب بتحقيقه خلال 72 ساعة، بل تمكنت من الصمود وهي الآن تسعى إلى الانتقام.
لقد ازدادت شدة ودقة الهجمات الصاروخية الإيرانية على أهدافها في الأراضي المحتلة، ومع فشل الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية في اعتراض كثير من الصواريخ الإيرانية، يبدو أن إيران تشعر بأنها نجحت في استنزاف القدرة الدفاعية لإسرائيل، وأن الوقت أصبح مناسباً لإجبارها على الركوع.
إنَّ نظام الجمهورية الإسلامية بات الآن مطمئناً إلى بقائه حتى لو يعيد ترامب إيران إلى العصر الحجري بعد فشله في القضاء على النظام أو فرض قيادة جديدة عليه.
