مع كل يوم إضافي للحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، تتعقد الأمور أكثر بفعل ميدان متطور، شهد أخيراً تصعيداً في استهداف الدفاعات الجوية الإيرانية لطائرات حربية أميركية، أبرزها إسقاط مقاتلة من طراز إف-15، وتحطم طائرة هجومية أميركية أخرى من نوع "إي-10"، وإصابة مروحيتي بلاك هوك بنيران إيرانية مباشرة، قبل انسحابهما بصعوبة إلى خارج سماء إيران.. وهو ما عكس هشاشة السيطرة على أجواء إيران، خلافاً لاعلانات أميركية وإسرائيلية سابقة.
"خطأ".. أم مرحلة "كسر الإرادات"؟
ورصدت "المدن" تحليلات عسكرية في مواقع أمنية إسرائيلية، حاولت تفسير حيثيات إسقاط طائرة إف-15، بالقول إن العدد الكبير للطلعات في أجواء إيران وتراكمها خلال الحرب، يتسبب أحيانا بـ"أخطاء" تستغلها الدفاعات الجوية الإيرانية "المتبقية"، ما أدى إلى إصابة الطائرة الحربية المذكورة وتحطمها، وتضرر طائرات أخرى خلال الحرب، لكن تحليلات عبرية أقرت أن ما جرى يمثل "إشارة" لضرورة تخفيف أو إنهاء المرحلة الجوية للحرب، والتفكير بالمرحلة المقبلة إما بإبرام اتفاق أو الانتقال إلى مرحلة الضغط البري. في حين، اعتبرت الإذاعة العبرية الرسمية أن تصعيد استهداف الطائرات الأميركية ومحاولة قتل أو أسر طيّاريها، بموازاة تشديد الضربات الصاروخية تجاه إسرائيل والمنطقة، يؤشر إلى أن المواجهة دخلت إلى مرحلة "كسر الإرادات"، خصوصاً مع وصول الاتصالات الدبلوماسية عبر وسطاء إقليميين إلى "طريق مسدود"، إلى جانب توعد القوات الإيرانية بتكثيف جهودها لتصعيد العمليات ضمن خطة "مُحْكَمة".
كما اعتبرت "القناة 12" العبرية أن حادثة الإسقاط تؤكد أن ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث، بشأن امتلاك الولايات المتحدة "تفوقاً جوياً كاملاً" فوق إيران، "ليس دقيقاً تماماً"، وأن ادعاءاتهما بتدمير دفاعاتها الجوية "غير صحيحة بالكامل".
الطائرات الأميركية.. أكثر تضرراً!
والحالُ أن تعدد الاستهدافات للطائرات الأميركية، وخصوصاً إسقاط الطائرة الحربية إف-15، مقارنة بإفلات المقاتلات الإسرائيلية (المأهولة)، يثير علامات استفهام بشأن ما إذا كانت الدفاعات الجوية الإيرانية أكثر فعالية في بعض مناطق البلاد؛ ذلك أنّ سلاح الجو الأميركي يركز على جنوب وشرق إيران، أما الطائرات الإسرائيلية فتركز على غربي إيران والعاصمة طهران، عدا عن عامل آخر ذكرته مواقع عبرية، وهو أن الطائرات الإسرائيلية تتبع مسارات وارتفاعات، لتلافي "خطر" الدفاعات الإيرانية؛ بذريعة أن تل أبيب تدرك أن الدفاعات الإيرانية لم تُدمّر بشكل مُطلق، مع أن تقارير إيرانية تحدثت مراراً عن إسقاط طائرات مسيّرة إسرائيلية. ويبدو أن نوع الطائرات يبرز كعامل إضافي، فطائرة من طراز إف-35 القادرة على التخفي، لديها إمكانية أكبر للإفلات من محاولة استهدافها، وفق خبراء عسكريين.
وقالت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل ساعدت في مرحلة معينة من سقوط الطائرة الأميركية في الأراضي الإيرانية، ونفذت هجوماً "محدداً جداً" لصالح الأميركيين، وبعد ذلك، لم تتدخل إسرائيل وتركت الأميركيين يعملون "بشكل مستقل" لمحاولة إنقاذ الطيار المختفي.
تغيير مسارات.. لتلافي كمائن "الدفاعات"!
مع ذلك، نقلت مواقع عبرية عن مصادر بالجيش الإسرائيلي، أن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة يدركان أن "التفوق الجوي" ليس بنسبة "100 في المئة"، وأن هذا التفوق هو أمر "يُقاتَل" عليه يومياً. وهنا، نوه مراسلون عسكريون إسرائيليون، بأنّ استخبارات سلاح الجو الأميركي والإسرائيلي تعمل على تحديد تحركات ما تبقّى من بطاريات الدفاع الجوي الإيرانية، والتي تحاول نصب "كمائن" للطائرات، بوصفها "تحدياً كبيراً جداً". ووفق إفادات عسكرية إسرائيلية، فإن استهداف بطاريات الدفاع الجوي بإيران، قد استمر، وأن هناك حالات يتم فيها تحويل مسار الطائرات الحربية عن مهامها، بعد إدراك وجود "كمين دفاع جوي" مخطط له، وعدم الرغبة في المخاطرة. وأكدت صحف عبرية أن هناك طائرات أميركية أخرى تعرضت لأضرار خلال الحرب، لكنها تمكنت من العودة والهبوط ب"سلام".
ماذا بعد؟
والحال أن ما يُشغل المستويين السياسي والعسكري الإسرائيلي في هذه الأثناء، هو تداعيات ما يوصف بـ"الحادث الخطير"، فلا يُعرف حتى الآن كيف سينتهي، وما إذا سيكون حادثاً قادراً على تغيير مجرى الحرب بالكامل، ووصف الإعلام العبري الحادث بأنه من "أكبر صدمات" الولايات المتحدة منذ أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران عام 1979، عدا أنه يمس بهيبة أميركا عسكرياً وسياسياً. ورغم ترويج مواقع عبرية، بأن الطيار المفقود "مُدرَّب على البقاء والتخفي وتحمل الاستجواب"، إلا أنه إذا تم أسره، فإن "القيمة الدعائية" لإيران ستكون "هائلة"، وفق تعبيرها.
وبينما يسود الترقب ليوم الإثنين المقبل الذي يمثل نهاية ساعة الرمل التي حددها ترامب لإيران، كمهلة لقبول إيران بإنهاء الحرب وفق شروطه، فإن المنطقة تحبس أنفاسها؛ خشية سيناريوهات أخطر للتصعيد، وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية باستهداف المزيد من الجسور ومحطات الطاقة.
اختلاف على الإيقاع.. لا الجوهر!
في الأثناء، قالت صحيفة "معاريف" إن هناك خيبة أمل في إسرائيل، بسبب رفض واشنطن حتى اللحظة، تهيئة مسلحين أكراد لتنفيذ عملية برية في عمق إيران، وذلك بسبب ما عدّتها "الحساسية التركية" من الخطوة. كما تصطدم إسرائيل بفيتو أميركي حتى الآن، بخصوص مساعيها للانتقال إلى مرحلة إضافية من الضغط على إيران، عبر تكثيف استهداف انتقائي للبنى التحتية المدنية، كالكهرباء والمياه والغاز ومحطات الطاقة ومرافق التحلية ومنشآت أخرى. لكن هيئة البث العبرية تقول إن التباين بين الحليفين هو في إيقاع الحرب لا الجوهر.
ولذلك، فإن جوهر الخلاف الأميركي-الإسرائيلي حالياً، يتمحور حول كيفية زيادة الضغط على النظام في طهران بطريقة لا تُحدث "تأثيراً متسلسلاً خطيراً". ومع ذلك، فإن كلاً من واشنطن وتل أبيب تتباحثان الآن، لإيجاد صيغة وسط، عنوانها "عدم إحراق النادي"، ولكن أيضاً عدم الاكتفاء بأهداف تتآكل فعاليتها، أو بات استهدافها المتكرر بمثابة "عائد متناقص"، بحسب تسريبات إسرائيلية. وبالتأكيد، تقدر أوساط عسكرية أن سيناريو العمليات البرية، يفرض نفسه في الحرب، بعد انتهاء عيد الفصح اليهودي.
