بعد حرب الإثني عشر يوماً مع إيران في شهر حزيران/ يونيو الماضي، انهمك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بالتحضير للجولة الفاصلة من حربه الطويلة مع إيران ومحورها في المنطقة.
انطلق نتنياهو في تحضيراته للحرب من أن المحور الإيراني متراجع بالفعل، وهو ما جعله يتحسب من قيام المحور التركي-السعودي بملء الفراغ الذي ستخلفه الهزيمة الإيرانية المرتقبة. ولمنع هذا الأمر، أطلق استراتيجية متعددة الرؤوس لمواجهة ما يحلو له تسميته بـِ "المحور السني". من غزة إلى الصومال فسوريا، سعى نتنياهو إلى تحجيم نفوذ خصومه الأتراك والسعوديين ومشاغلتهم. سرّه احتدام الصراع الإماراتي-السعودي حول اليمن، ملوحاً باستعداده للاعتراف باليمن الجنوبي، كما اعترف بأرض الصومال. أثلجت صدره المشاهد الوافدة من السودان، حيث القتال المرير بين الجيش وقوات الدعم السريع يعكس حرب بالوكالة تدور رحاها بين أطراف من "المحور السني".
أرهقت جبهات اليمن، السودان، الصومال وغزة، كل من تركيا، السعودية ومصر، واستنزفتها المواجهة متعددة الجبهات. ليزيد الضغط، أضاف نتنياهو سوريا إلى القائمة. أبدت الحكومة الإسرائيلية عداءً لا يلين اتجاه سوريا الجديدة التي انبثقت على أنقاض سوريا الأسد.
نتنياهو وغنائم سقوط نظام الأسد
اعتبر نتنياهو نفسه اللاعب الرئيسي في إسقاط حكم الرئيس بشار الأسد، ولذلك، طالب بحصته من الغنائم، وأن تكون له الكلمة الفصل في شكل الدولة السورية وبنيتها. نفّذ الجيش الإسرائيلي أكبر حملة جوية في تاريخه لتحطيم القدرات العسكرية السورية في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، مستغلاً الفراغ العسكري الذي شهدته سوريا بعد التحرير. ولأول مرة منذ خمسين عاماً، اخترقت القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق فض الاشتباك للعام 1974، واحتلت جبل الشيخ ومنابع مياه نهر اليرموك. منذ ذلك الحين، توالت توغلات الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي السورية. مضت حكومة نتنياهو بعيداً عاملةً على استغلال الخلافات التي ظهرت بين سلطة الشرع وأجزاء من السوريين، حتى أنها قصفت القصر الجمهوري ووزارة الدفاع إبان أحداث السويداء أواسط شهر تموز الماضي، في مشهد لن يُمحى من ذاكرة السوريين.
لم يعبأ نتنياهو بمساعي واشنطن لتهدئة التوتر الإقليمي حول سوريا أو محاولاتها لخفض التصعيد مع أنقرة والرياض، بل أرسل طائرات سلاح الجو الإسرائيلي لتهاجم مواقع عسكرية في وسط سوريا وشمالها خلال نيسان/ أبريل 2025، بذريعة منع القوات التركية من الانتشار فيها. انتقلت الإدارة الأميركية إلى محاولة عقد هدنة بين الشرع ونتنياهو. تلاعب الأخير بالمسار التفاوضي، متراجعاً عن الكثير من التفاهمات بمجرد التوصل إليها. وعبّأ الجماعات الضغط في الكونغرس الأميركي لضمان استمرار عقوبات "قيصر" على سوريا. أخيراً في مطلع العام الجاري، نجحت الوساطة الأميركية في التواصل إلى اتفاق لربط النزاع بين سوريا والحكومة الإسرائيلية، في العاصمة الفرنسية باريس.
الحرب الإيرانية لا توقف التصعيد مع دمشق
هكذا، كان طريق نتنياهو إلى طهران، يمرّ متعرجاً من دمشق؛ فحتى في خضم حربه الدائرة مع المحور الإيراني وتوالي سقوط الصواريخ من طهران ولبنان واليمن على الأهداف الإسرائيلية، واصلت الحكومة الإسرائيلية اعتداءاتها على الأراضي السورية. لم تكتفِ الطائرات والمروحيات الإسرائيلية بانتهاك حرمة الأجواء السورية وهي في طريقها لقصف الأراضي الإيرانية والعراقية واللبنانية، بل أغارت أيضاً على مواقع عسكرية جنوبي سوريا، مع سيل من الخروقات والتوغلات اليومية لجنود الاحتلال في محافظتي درعا والقنيطرة. وكان إصرار نتنياهو وأركان حكومته على الاعتداء على سوريا، بالرغم من التزام الشرع النأي بالنفس عن الحرب، كأحد أوجه استراتيجيتهم القائمة على منع "المحور السني" من تعزيز مواقعه مستغلاً ظروف الحرب القائمة، وربما تأكيداً منهم على أن دمشق هي الجائزة التي ينتظرونها من انتصارهم المأمول على إيران.
مبالغة نتنياهو: قتال محور وتحجيم لمحور
عكست استراتيجية نتنياهو القائمة على إنهاء المحور الإيراني "المتراجع" على حد تعبيره، ومنع المحور السني من التمدد خلال الحرب، والتفرغ بعدها لقتال هذا المحور، مبالغةً رومانسية في تقييم القدرات الإسرائيلية، وتقليلاً من شأن خصومه، وتجاهلاً لحركية المجتمعات والتاريخ في هذه البقعة من العالم. سرَّ نتنياهو أن تكون الحرب على إيران حرباً أميركية-إسرائيليةً منفردة من دون أي مشاركة لخصومه في أنقرة أو الرياض، خاصة أنه كان يعول على قلب النظام في إيران، تمهيداً لإعادة عرش الطاووس إلى طهران. عندئد، ينبثق إلى الوجود التحالف الإسرائيلي-الإيراني، الذي سبق وأحكم الطوق على المشرق العربي، قبل الإطاحة بحكم الشاه محمد رضا بهلوي في العام 1979. ربما لهذا، لم يكن نتنياهو راغباً في تصفية الحساب مع حزب الله قبل الحرب على إيران؛ إذ اعتقد أن اغتيال المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي كافٍ لانهيار النظام الإيراني، بما يجبر حزب الله على تسليم سلاحه، والتحول إلى لاعب سياسي يأتمر بأمرة الشاه الجديد في طهران، الحليف لإسرائيل.
لكن حسابات نتنياهو لم تتوافق مع الحقائق الصلبة التي ظهرت على أرض الواقع بعد دوران رحى الحرب مع إيران. أظهرت الحرب أن المحور الإيراني "المتراجع" لن يكون لقمة سائغة أمام آلة الحرب الأميركية والإسرائيلية، وأنه قادر على تحويل الحرب، التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصحبة نتنياهو إلى مستنقع لكليهما.
كما بالغ نتنياهو في قدرته على تحريك الأقليات الإيرانية ضد نظام الحكم. نأت أذربيجان وإقليم شمال العراق بنفسيهما على الحرب، وهذا ما أحبط خطط تل أبيب لإثارة تمرد أذري وكردي داخل الأراضي الإيرانية، ذلكَ بينما عارضت أنقرة على نحوٍ قاطع اختراق المجموعات الكردية المناوئة لطهران، الحدود الإيرانية عبر أراضي كردستان العراق.
خطأ حسابات آخر وقع فيه نتنياهو. اعتقد أنه يستطيع توريط تركيا، سوريا ودول الخليج العربي في الحرب في أي وقت يريده. لكن هذه الدول رفضت الانجرار في الخطط الإسرائيلية بالرغم من استهدافها باعتداءات من قبل إيران أو وكلائها في المنطقة.
سوء حسابات
ورطت حسابات نتنياهو، إسرائيل في حرب واسعة النطاق مع محور يقاتل من أجل وجوده ولديه قدرات عسكرية تخوله الاستمرار على مدار الأشهر المقبلة. ولم يتمكن نتنياهو من تفعيل الأوراق التي كان قد جهّزها للحرب، مثل إجبار دول الخليج وسوريا على الانضمام إلى القتال الدائر ضد إيران ووكلائها، أو دفع المجموعات الكردية في كردستان العراق إلى اختراق الأراضي الإيرانية.
أراد نتنياهو قلب طهران من عدو إلى حليف، ليقلّص بذلك المخاطر الآتية من وكلائها في المنطقة، على أمل أن يتحولوا فيما بعد إلى تروس ومسننات في منظومة الأمن الإسرائيلي ضد "المحور السني". لكن أحلام نتنياهو لم تتحقق، على الأقل إلى الآن؛ إذ تفاقمت مشاعر الإيرانيين العاديين المعادية لإسرائيل، وقويت الروابط بين النظام الإيراني ووكلائه الإقليميين. من جهة أخرى، وليحسّن نتنياهو شروطه في ساحة الحرب وعلى طاولة المفاوضات، لا بد أن يدفع جيشه نحو تصفية المزيد من قادة إيران والتنظيمات التابعة واحتلال المزيد من الأراضي اللبنانية وتدمير عمرانها، بما سيؤدي إلى استمرار المواجهات وتصاعد حدة العداء، من دون أن يضمن لإسرائيل النصر.
وبينما يواصل نتنياهو حربه التدميرية على إيران وحلفائها، ويطلب من دمشق وأنقرة والرياض الذين يعاديهم في العلن، الانخراط في حرب لا ناقة لهم بها ولا جمل، لا لشيء إلا لينقلب عليهم بمجرد أن يحقق نصره المزعوم. ولا ينسى القادة الأتراك والسعوديين، صراع نتنياهو مع أنقرة والرياض، وحربه التي لم تنتهِ في سوريا، وإصراره على إبقائها ضعيفة، ورغبته المعلنة في حصر خطوط التجارة الدولية بين الشرق والغرب في إسرائيل بعيداً عن تركيا وسوريا.




