قد يكون مفاجئاً ما حدث، لكنه بالتاكيد لم يكن تطوراً خارج السياق. حادثة إختطاف الصحافية شيلي كيتلسون التي تحمل جواز سفر أميركي، أشغلت كثيراً الرأي العام العراقي، وأربكت المشهد الأمني، وأعادت إلى الذاكرة تلك المرحلة التي يسعى كثير من العراقيين إلى تجاوزها.
وقعت الحادثة في وضح النهار وسط العاصمة بغداد، والتي يُفترض أنها تخضع لإجراءات أمنية مشددة. الحادثة وثّقتها العديد من كاميرات المراقبة الموجودة في المكان، وتم نشر صور الحادثة التي اشترك فيها أكثر من شخص، على نطاق واسع على مواقع التواصل الإجتماعي.
لم تتردد وزارة الداخلية العراقية في الإعلان عن الحادثة. واتهمت في بيان، "مجهولين" بتنفيذ العملية، وقالت إنها تمكنت من اعتقال أحد الجناة الذين اشتركوا بالحادثة، وإنها تعمل على تعقب البقية وتحرير المختطفة. وقالت مصادر إن الشخص المعتقل كان يقود العجلة التي نفذت عملية الاختطاف، قبل أن يتم نقل المختطفة إلى عجلة أخرى وقبل أن تتعرض العجلة الاُولى إلى حادث أدى إلى إنقلابها فيما بعد.
حتى الآن، لم تُعلن أيَّة جهة مسؤوليتها على الحادثة. ولا يتوقع أن يحدث مثل هكذا إعلان. إلا أن تقارير تحدثت عن اسم الفصيل المسلح الذي نفّذ العملية، خصوصاً وأن القوة الأمنية التي اعتقلت سائق السيارة المصاب بجروح، عثرت على هوية الجهة التي يعمل لصالحها، وهي جهة أمنية، بحسب ما أشيع من معلومات. يُعتبر الفصيل المسلح الذي يدور الحديث عنه، أحد أبرز الفصائل المسلحة في العراق.
وكشفت المصادر أن التحقيقات التي تجريها السلطات الأمنية العراقية، تجري بالتعاون مع عناصر من وكالة "أف بي أي" الأميركية، وأنها تجري على درجة عالية من السرية والكتمان.
وقال مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون العلاقات العامة الدولية ديلان جوهانسون، في منشور على منصة "إكس"، إن وزارته كانت قد أبلغت الصحافية عن التهديدات التي قد تتعرض لها جراء تواجدها في العراق. وقال إن الشخص الذي تم اعتقاله، "يُعتقد له علاقة بمليشيا كتائب حزب الله التي يشتبه بتورطها بحادثة الاختطاف".
ويقول صحافيون على معرفة بالصحافية، إنها كانت دائمة التردد إلى العراق، وأنها عملت مع مؤسسات صحافية أجنبية عديدة في تغطية الشأن العراقي لسنوات عديدة ماضية. وعبّر صحافيون عراقيون عن استغرابهم إزاء إصرار المختطفة على الوجود في العراق خلال هذه الفترة التي يشهد فيها وضعاً أمنياً قلقاً بسبب الحرب على إيران، وارتداداتها على الوضع الداخلي العراقي جراء انخراط فصائل عراقية بهذه الحرب، وتهديد هذه الفصائل بأن كل المصالح الأميركية في العراق وفي المنطقة ستكون هدفاً لها.
ومع أنَّ السفارة الأميركية في بغداد كانت قد دعت خلال الفترة الماضية ولأكثر من مرة، كل رعاياها ومواطنينها لمغادرة العراق بأسرع وقت ممكن بسبب الأوضاع الأمنية التي تمر بها البلاد وهو ما قد يُشكل خطراً على حياتهم، إلا أن ما يثير الاستغراب أنَّ كل هذه التحذيرات لم تكن كافية لدفع المختطفة لمغادرة العراق.
ولم يشهد العراق منذ سنوات حادثة إختطاف صحافي، سواء كان عراقياً أو أجنبياً. وكانت آخر حادثة وقعت قبل ثلاث سنوات تقريباً، عندما أقدمت جماعة مسلحة على اختطاف إليزابيت تورسكوف، وقيل آنذاك إنها أسرائيلية وتحمل جواز سفر روسي، وإنها حضرت إلى العراق لإكمال بحثها في رسالة الدكتوراه. وأطلق سراح تورسكوف في أيلول/ سبتمبر الماضي، بعد أن قضت ما يزيد عن العامين في الاحتجاز بعد تدخل مباشر من الرئيس الأميركي الذي توعد الخاطفين بإجراءات قاسية إن لم يقوموا بإطلاق سراحها.
ولم تعلن أيَّة جهة مسؤوليتها عن الحادثة. كما لم تعلن الحكومة العراقية التي لعبت دوراً مهما في إطلاق سراحها، عن الجهة التي اختطفتها. لكن تقارير أجنبية اتهمت كتائب حزب الله بالوقوف وراء حادثة الاختطاف، وهو ما لم تنفيه الحركة أو تؤكده.
حادثة الاختطاف الجديدة وتوقيتها، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن المشهد الأمني المرتبك الذي يمر به العراق منذ اندلاع الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، خصوصاً بعد أن نجحت فصائل مسلحة عراقية مقربة من إيران، بتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مواجهة، عملاً بما يُعرف بوحدة الساحات.
وأعلنت هذه الفصائل مسؤوليتها عن العديد من العمليات المسلحة التي نفذتها داخل وخارج العراق، وطالت بمعظمها مقار دبلوماسية أجنبية عاملة في العراق، وتحديداً السفارة الأميركية ومواقع عسكرية وأمنية أخرى.
ومع احتدام المواجهة وجدت الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية نفسها في موقف محرج. فالحكومة العراقية عبرت عن موقفها الذي أيدته غالبية القوى السياسية العراقية، بعدم الإنجرار الى هذه المواجهة، وتوعدت باعتقال ومحاكمة كل من سيتم القبض عليهم متورطين أو لهم علاقة بتنفيذ عمليات مسلحة من داخل الأراضي العراقية ضد أهداف داخل العراق أو خارجه.
وبسبب هذا الموقف، وجدت السلطات العراقية نفسها في مواجهة لا تحسد عليها مع هذه الفصائل. فهي من جهة مطالبة بالعمل على إجهاض ووقف أي عمل يمكن أن يتسبب بجر البلاد إلى هذه الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الانجرار إلى مواجهة مسلحة مع هذه الفصائل، وبالذات في هكذا توقيت.
نجحت السلطات الأمنية باعتقال عدد من المتورطين بتنفيذ هكذا عمليات في الفترة الماضية، وهو تطور كان واضحاً أنه أزعج كثيراً قيادات هذه الفصائل.
وبالرغم من الدرجة العالية من السرية التي تبديها السلطات العراقية في الكشف عن خيوط حادثة الاختطاف، فقد كشفت مصادر أن الفصيل المسلح المتهم بتنفيذ العملية، طالب السلطات بإطلاق عناصره الذين تم اعتقالهم مؤخراً على خلفية تنفيذهم تلك العمليات المسلحة. وقالت المصادر إنَّ السلطات رفضت هذا الطلب.
وكشفت هذه المصادر عن محاولات تقوم بها شخصيات عراقية بارزة مقربة من هذا الفصيل، في محاولة لاحتواء الموقف من خلال التوصل إلى اتفاق يقضي بتحرير المختطفة بأسرع وقت وبأقل الخسائر، قبل أن يتسبب الموقف بتدخل أميركي قد يضع الجميع أمام استحقاقات لا أحد يريد الوصول إليها، خصوصاً أنَّ الإدارة الأميركية لم تعلن حتى الآن أي موقف لها حتى إزاء الحادثة.
