كيف واصلت إيران تصنيع الصواريخ والمسيّرات رغم القصف؟

شفيق طاهرالخميس 2026/04/02
360200.jpeg
الحملة الجوية لم تنجح في وقف الإنتاج الإيراني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ بدء الحملة الجوية الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، بدا واضحاً أن الهدف لم يكن فقط تدمير منصات إطلاق الصواريخ، بل أيضاً شل البنية الصناعية التي تنتج الصواريخ والمسيّرات. لكن بعد قرابة شهر من القصف، لم يتوقف الرد الإيراني. السبب الأساسي، كما تظهر التقييمات الاستخبارية الأميركية والتقارير الغربية، هو أن البرنامج الإيراني لا يقوم على مصانع مكشوفة يسهل إخراجها من الخدمة نهائياً، بل على شبكة إنتاج وتخزين وتجميع وإطلاق موزعة ومحصنة. فوفق التقديرات الغربية، لم يكن ممكناً التأكد إلا من تدمير جزء من الترسانة الصاروخية الإيرانية، فيما بقي جزء آخر مدفوناً داخل الأنفاق والتحصينات، مع استمرار قدرة طهران على الإطلاق والتعويض.

 

مدن الصواريخ والمسيّرات

العنصر الأهم في هذه البنية هو ما يمكن وصفه بمدن الصواريخ والمسيّرات داخل الجبال. وهنا لا بد من التمييز بين ما هو مصنع إنتاج كامل، وما هو منشأة للتخزين أو التجميع أو التجهيز أو الإطلاق، لأن المعلومات لا تؤكد دائماً الوظيفة الدقيقة لكل موقع. لكن المؤكد أن إيران بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من المنشآت المحصنة داخل الأنفاق والمرتفعات الجبلية، بما يسمح بحماية الصواريخ والمسيّرات من الضربات الجوية المباشرة.

في هذا الإطار، برزت تقارير عن قاعدة مسيّرات تحت الأرض في قلب جبال زاغروس، إلى جانب قواعد صاروخية قرب قم وفي جنوب شيراز، فضلاً عن مجمعات أنفاق شديدة التحصين قرب نطنز. أهمية هذه المواقع لا تكمن فقط في أنها مخابئ، بل في أنها تمنح إيران القدرة على الاحتفاظ بمنصات الإطلاق، وتحريك الذخائر، وإعادة التموضع، وربما إجراء أعمال تجميع وصيانة داخل بيئة يصعب استهدافها. ولذلك، عندما انتقلت إسرائيل إلى استهداف مواقع مدفونة عميقاً تحت الأرض، كان ذلك اعترافاً ضمنياً بأن الحرب لم تعد ضد قواعد سطحية، بل ضد بنية عسكرية محصنة داخل الجبال، صممت لتفادي الشلل الكامل حتى في ظل حملة جوية واسعة.

 

شبكة تصنيع عابرة للعقوبات

تعتمد إيران في بناء صواريخها، ولا سيما العاملة بالوقود الصلب، على مؤسسات صناعية عسكرية رسمية وشبه عسكرية، وعلى شبكات شراء خارجية تؤمن المواد الكيميائية والمكونات الحساسة. وتشير تقارير أميركية إلى أن شركات وشبكات مرتبطة بمنظومة الصناعات الدفاعية الإيرانية حصلت خلال السنوات الماضية على مواد أساسية تدخل في تصنيع الوقود الدافع الصلب، مثل الكلورات والبيركلورات ومركبات كيميائية تستخدم في إنتاج المحركات الصاروخية.

أما في ملف المسيّرات، فإيران ترتكز على ميزات مختلفة، البساطة، والرخص النسبي، والاعتماد على مكونات تجارية واسعة التداول. فمسيّرات شاهد لا تحتاج إلى بنية صناعية بالغة التعقيد، بقدر ما تحتاج إلى قدرة على جمع المكونات، وإعادة تركيبها، ونسخ بعضها محلياً عند الحاجة. ولهذا، فإن الضربات الجوية التي تدمر ورشة أو مخزناً لا تعني بالضرورة توقف البرنامج كله. فالإنتاج الإيراني هنا أقرب إلى نموذج الشبكة، أجزاء تصنع في أماكن مختلفة، وتجميع يتم في أكثر من نقطة، وتعويض يجري عبر سلاسل توريد بديلة، بعضها محلي وبعضها خارجي. وهذا ما يفسر كيف استطاعت طهران الحفاظ على تدفق الإنتاج، حتى في ظل العقوبات المشددة والقصف المستمر.

 

القصف يفشل بوقف الإنتاج

لم تنجح الحملة الجوية في وقف الإنتاج، بل في إبطائه فقط. والسبب أن إيران لا تراهن على النجاة المطلقة لمصنع واحد أو قاعدة واحدة، بل على قدرة المنظومة كلها على التعافي والاستمرار. فإذا ضرب موقع، انتقل العمل إلى موقع آخر. وإذا تضررت منشأة سطحية، بقيت المنشآت داخل الجبال قائمة. وإذا تعطلت بعض خطوط التوريد، جرى اللجوء إلى بدائل ومكونات مدنية ذات استخدام مزدوج.

يضاف إلى ذلك منطق الاستنزاف الذي تقوم عليه المسيّرات الإيرانية. فهذه الطائرات منخفضة الكلفة نسبياً، لا تستخدم فقط للإصابة المباشرة، بل أيضاً لإرهاق الدفاعات الجوية المعادية واستنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن. 

في المحصلة، استمر القصف الإيراني لأن ترسانته لم تبن على أساس مركزي هش، بل على أساس شبكة موزعة ومحفورة داخل الجبال، ومتصلة بسلاسل توريد مرنة، وقادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج نفسها. لهذا لم يكن هدف وقف التصنيع بالكامل سهل التحقيق، حتى أمام واحدة من أعنف الحملات الجوية في تاريخ المواجهة مع إيران. فالمشكلة لم تكن فقط في عدد الأهداف التي ضربت، بل في طبيعة المنظومة نفسها، منظومة صممت منذ البداية لتنجو، وتستمر، وتبقي النار مشتعلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث