سوريا.. التحقيقات والتقارير الدولية لا تردع الانتهاكات

مالك ونوسالخميس 2026/04/02
GettyImages-2203937785.jpg
الانتهاكات والمجازر تهدف إلى تطويع المجتمع (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كان من المنطقي، بل والمتوقع، أنه بعد سماح سلطة دمشق للجان التحقيق الدولية أن تمارس عملها في التحقيق بمجازر الساحل ومجازر السويداء التي تلتها، أن تتوقف الانتهاكات وعمليات خطف النساء والقتل على أساس طائفي، وأن يقدَّم المتورطون للعدالة. غير أن الهجوم على مدينة السقيلبية الواقعة في ريف حماه، قبل أيام، أثبت أنَّ هذه التوقعات ليست في محلها، وأنَّ ما هو منطقي للبعض، يبدو غير مقبول لدى رموز هذه السلطة. وبينما لا يخطر في بال المراقب سوى أن غياب المحاسبة والفلتان الأمني هما سبب استمرار وقوع الانتهاكات، يمكن إحالة السبب إلى أمر آخر، وهو الدور الذي تلعبه هذه الانتهاكات في تثبيت الحكم عبر القسر، وليس عبر تحقيق الإنجازات، علاوة على ما يراد منها في تكريس سمة هذه السلطة، قويةً ولا تغفر لمن يعارضها.

 

استهداف المجتمع بالعنف

لكن، ألا يمكن لسلطة جديدة أن تعزز مواقعها داخل المجتمع وتثبت أقدامها في أرض البلاد، وتعزز وجودها أمام شعوبها سوى بالقمع والقسر واللجوء إلى تطبيق أدوات الاستبداد؟ يمكن لذلك أن يتم، ولكن عبر الشروع ببناء دولة طبيعية، تبدأ بدعم المؤسسات والإصلاح الإداري، وانتهاج نهج اقتصادي واضح، واعتماد دستور عصري، يكرس القانون في نواحي الحياة، وعبر تحقيق مطالب الناس بالعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. كذلك عبر إقامة مشروعات التنمية، لانتشال المواطنين من فقرهم وزيادة مستوياتهم المعيشية، وإدخال البلاد في طورٍ يوصلها للحداثة واحترام الحريات الفردية والجماعية وضمان الحقوق. لكن الأمر يتحول عكس ذلك عندما تفشل الحكومات والأنظمة في تحقيق تلك الشروط، أو حتى تبنيها لفظياً، فتوصل بلدانها إلى الفشل نتيجة عجزها، وتفرُّدها بالقرار وإقصاء الآخرين، خصوصاً الأكاديميين والكوادر المدربة. فتلجأ والحال هذه إلى استهداف المجتمع بالعنف والتخويف عبر استمرار تبني الانتهاكات سياسةً، وبالتالي جعلها إحدى أشكال القسر وأدواته المطبقة على المجتمع لكي تأتي بثمارها سريعاً في قمع الشعوب لترويضها.

لذلك نجد أن هذه السلطة، وأي سلطة تحكم في ظل أزمات بنيوية ومزمنة تعجز عن حلها، وتعتمد الإقصاء والتفرد بالقرار فلا تشرك أبناء البلاد في محاولة حلها، تعمد إلى التركيز على قضايا هامشية غير ملحّة، خصوصاً في الأوقات الصعبة من حياة البلاد، ومنها قضايا تاريخية وذات حساسية تتعلق بالتنوع الطائفي والإثني الكبير في البلاد. فتُبْرِز هذه السلطة تلك القضايا، وتدفعها إلى الصدارة، وتثير حولها الجدال والخلافات، وتدفع بمؤيديها وجيوش الذباب الإلكتروني للتطوع من أجل الدفاع عن وجهة نظرها، مهما بلغت وجهة النظر تلك من الخطأ. لذلك، بات في حكم العرف، كما يقولون، ألا ينام السوريون على همٍّ قديمٍ، نتيجة الإبداع في اختراع المشكلات المتفجرة التي تلهيهم عن قضاياهم الأهم، خصوصاً مع تراجع الاقتصاد، والتراجع الحاد في مستوى معيشة السوريين، والغلاء الذي طرأ على السلع الغذائية والخدمية، ومنها الكهرباء والغاز والاتصالات، مع قلة توفر بعضها.

 

التغول في حياة السوريين

لا بد أن السلطة في دمشق تعرف أن الانتهاكات، خصوصاً الطائفية التي يُدْعى مدنيون للمشاركة فيها عبر أسلوب الفزعات، كما حدث في الساحل والسويداء، والآن في السقيلبية، لا تفعل سوى زيادة التفرقة بين أبناء البلاد وتعميق الشكوك وعدم الثقة بينهم. ويُعدُّ تكرار الانتهاكات عاملاً لإضعاف المجتمع وتفتيت بناه، بسبب هذا الفعل الذي يتنطَّع أبناء طائفة محددة لاقترافه بحق أبناء طائفة أخرى، وهذا ما يستدعي ردود أفعال عنفية وأخرى غير عنفية. وهنا يُعدُّ تأسيس أي كيانٍ سياسي، نقابةٍ أو حزب عابر للطوائف، وكذلك تنظيم احتجاج أو مظاهرة تشارك فيها نساء ورجال من طوائف عديدة ومن أحزاب مختلفة أمراً مستحيلاً. أما إذا نجح فهو سيكون بمثابة الكابوس لهذه السلطة، ما يستدعي ردود أفعال غير متوقعة منها. لذلك سارع رجالٌ موالون للسلطة إلى الدعوة إلى مظاهرات مضادة لوقفة باب توما المطلبية التي نُظِّمَت في 22 آذار/ مارس الماضي، رداً على قرار منع بيع الكحول، وهي ظاهرة خطيرة تكرِّس الانقسام عبر فرز المجتمع شارعاً ضد شارع.

وتتجاوز الوقفة المطلبية في ساحة باب توما القرار الصادر عن محافظ دمشق، والقاضي بمنع بيع الكحول في المدينة، وتحديد بيعها في الأحياء ذات الغالبية المسيحية، لتصب في خانة الرفض بعدما لمس الجميع التغوُّل الذي باتت عليه السلطة في حياة السوريين وتفاصيل شؤونهم. وتندرج في إطار الدفاع عن الحريات الشخصية، وضد وصم طائفة سورية عريقة بصفات وسلوكيات تُعدُّ غير مقبولة لدى آخرين. كذلك الأمر، تتجاوز حادثة (غزوة) السقيلبية قضية استهداف مدينة يباع فيها الكحول، كما بات يُسبغ على المناطق المسيحية في البلاد. إذ تأتي تلك الغزوة في إطار التحريض ضد الاحتجاجات التي تخرج ضد سياسات السلطة، سواء على الصعيد المعيشي أو على الصعيد الإداري والسياسي والحقوقي. فتندرج ضمن سياق قمع أي احتجاجات ضد الأوضاع المعيشية عبر بث الخوف في نفوس السوريين، وتطويع المجتمع أكثر. 

بعد قرار محافظة دمشق، والمسيرات المؤيدة للسلطة التي خرجت رداً على المحتجين عليه، تبيَّن كيف يجري إلهاء الناس عن قضاياهم الأساسية، خصوصاً المعيشية، عبر قضايا مثل منع تبرُّج الموظفات وملاحقة المفطرين في رمضان، والآن قرار منع بيع الكحول، وغيرها كثير. وبذلك أصبحت السلطة قادرة بنجاح لافت على زيادة الاستقطاب داخل المجتمع حول القضايا الهامشية، ومرافقة الأمر بحملات تحريض طائفية وقومية توصل المجتمع إلى الانقسام وإلى التحارب، فتقف مع طرف في وجه آخر، غير آبهة بصورتها. وإذ لا تهتم السلطة بردود الفعل، وباتت سياسة الانتهاكات ممنهجة، ولذلك أدت إلى حدوث مجازر في حلب على هامش القتال مع الفصائل الكردية. وينطبق هذا الأمر على الهجوم الواسع الذي قام به أفراد مدنيون من مدينة قلعة المضيق، على مدينة السقيلبية وترهيب سكانها واقتحام المتاجر والمقاهي وتحطيم محتوياتها وسرقة ما يمكنهم حمله، على مرأى من دوريات الأمن العام، كما ظهر واضحاً في الشرائط المصورة التي تناقلها المشاركون في الغزوة.

إذا كان اعتقال صحافي أو قتله، أو التضييق على حرية الكلام والإبداع والنشر، أو التدخل في مأكل الناس ومشربهم ملبسهم، قضايا تتعلق بمجموعات يقصد قمعها وتضييق نشاطها، فإن الانتهاكات الجماعية والمجازر يُقصد بها قمع المجتمع برمته وإخافته من أجل تطويعه. ولكن أليس بدء أي سلطة عهدها بالاستبداد، هو بمثابة مساهمة منها في وضع خطة عمل لقوى المجتمع من أجل إسقاطها؟ هذا ينطبق على حكومات لديها سجل ما بالنجاحات، فما بالك بسلطة بدأت عهدها بالأخطاء والانتهاكات؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث